تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
شرح
بقوله :إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً *أي علمه محيط بجميع الأشياء فهو عالم بما فضل به بعضكم على بعض وما يصلح لكل منكم من توسيع وتقتير فإياكم والاعتراض بتمن أو غيره انتهى . وذكر البيضاوي في تفسير هذه الآية نحوه . وقال الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى :وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها[ البقرة : 31 ] هذه دلالة على فضل العلم ، فإنه سبحانه ما أظهر كمال حكمته في خلقه آدم إلا بأن أظهر علمه ، فلو كان في الإمكان وجود شيء أشرف من العلم كان من الواجب إظهار فضله بذلك الشيء لا بالعلم انتهى . فهذا تصريح من الإمام بأنه ليس في الإمكان أشرف من العلم . وقال الفخر : إنما سأل الملائكة ما سألوا في حق آدم عليه السلام طلبا للحكمة فأجابهم بقوله :إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ[ البقرة : 30 ] أي أن مصلحتكم أن تعرفوا وجه الحكمة على الإجمال دون التفصيل ، بل ربما كان التفصيل مفسدة لكم وقال في الآية بعدها : اعلم أن الملائكة لما سألوا عن وجه الحكمة في خلق آدم وذريته وإسكانه إياهم الأرض وأخبر اللّه تعالى عن وجه الحكمة في ذلك على سبيل الإجمال بقوله :إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ[ البقرة : 30 ] أراد تعالى أن يزيدهم بيانا وأن يفصل لهم المجمل ، فبين لهم من فضل آدم ما لم يكن ذلك معلما ، وذلك بأن علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم عليهم ليظهر لهم كمال فضله وقصورهم عنه في العلم ، فيتأكد ذلك الجواب الإجمالي بهذا الجواب التفصيلي انتهى . وقال المفسرون في قوله تعالى :لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ[ المائدة : 48 ] هذا نص من اللّه تعالى بأنه شرع الشرائع مختلفة على حسب ما اقتضته الحكمة . وقال البيضاوي في قوله تعالى :بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ[ المائدة : 64 ] أي هو مختار في انفاقه يوسع تارة ويضيق أخرى على حسب مشيئته ومقتضى حكمته . وقال الراغب فيما نقله الطيبي في حاشية الكشاف ، وكلاهما من أئمة السنّة الحكم والحكمة من أصل واحد إلا أنه إذا كان في القول قيل له حكم وقد حكم ، وإذا كان في الفعل قيل له حكمة وحكم له حكمة ، فإذا قلت : حكمت بكذا فمعناه قضيت فيه بما هو حكمة ، وإن كان كما يقال حكم فلان بالباطل بمعنى أجرى الباطل مجرى الحكم فحكم اللّه تعالى مقتض للحكمة لا محالة ، فنبه بقوله :إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ[ المائدة : 10 ] على ما يريد بجعله حكمة حثا للعباد على الرضا به ، فاللّه يحكم ما يريد وحكمه ماض ، ومن رضي بحكمه استراح في نفس وهدى لرشده ، ومن سخط تعدى حكمه واكتسب بسخطه سخط اللّه وإهانته ، كما ورد « من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي فليطلب ربا سواي » . وقال النووي في شرح المهذب في باب آداب العالم ؛ وطريقه في نفي الحسد أن يعلم أن حكمة اللّه
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 101 | مرتضى الزبيدي