تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
شرح
زاخر في المعرفة يحرك أمواجه سر القدر الذي منع من ذكره المكاشفون وتحير فيه الأكثرون ولا يعقله إلا العالمون ولا يدرون في تأويله إلا الراسخون هذا نصه بحروفه . وقال في موضع آخر من الجواهر أيضا ، قد أنكر الرضا جماعة وقالوا : لا يتصور الرضا بما يخالف الهوى ، وإنما يتصور الصبر فقط . والجواب : أن الرضا بالبلاء وبما يخالف الطبع يتصوّر من ثلاثة أوجه . أحدها : أن يدهشه مشاهدة المحبة وإفراطها عن الإحساس بالألم . والثاني : أن يحس بالألم ويكرهه بالطبع ولكن يرضى به بعقله وإيمانه لمعرفته بجزالة الثواب على البلاء ، كما يرضى بألم الفصد وشرب الدواء لعلمه بأنه سبب الشفاء حتى أنه ليفرح بمن يهدي إليه الدواء وإن كان بشيعا ، وكذلك يرضى التاجر بمشقة السفر وهو خلاف طبعه وهذا أيضا مشاهد مثله في الأغراض الدنيوية ، فكيف ينكر في السعادة الأخروية . الثالث : أن يعتقد أن للّه تعالى تحت أقداره أعجوبة لطيفة من لطائفه ، وذلك يخرج عن قلبه لم وكيف حتى لا يتعجب مما يجرى في العالم إن تعجبه كتعجب موسى عليه السلام من الخضر عن السر الذي أطلع عليه سقط تعجبه وكان تعجبه بناء على ما خفي عنه من تلك الأسرار ، وكذلك أفعال اللّه تعالى . ثم ساق قصتين : إحداهما للرجل الذي كان يقول في كل ما يصيبه الخيرة فيما قدره اللّه ، والثاني للفارس الذي نسي صرة فيها ألف دينار . ولولا أنه سيأتي سياقهما في كتاب الرضا لذكرتهما ، فمن أيقن بأمثال هذه الأسرار لم يتعجب من أفعال اللّه تعالى وتعجب من جهل نفسه ، ولم يقل لم وكيف فقد رضى بما دبر اللّه في ملكوته . وههنا وجوه أربعة تتشعب عن محض المعرفة بكمال الجود والحكمة وبكيفية ترتيب الأسباب المتوجهة إلى المسببات ومعرفة القضاء . الأول : الذي هو كلمحة البصر ومعرفة القدر الذي هو سبب ظهور تفاصيل القضاء ، فإنها رتبت على أكمل الوجوه وأحسنها وليس في الإمكان أحسن منها وأكمل ، ولو كان ادخر لكان بخلا وعجزا يناقض القدرة وينطوي تحت ذلك سر القدر ، وكما أن من عرف ذلك لم ينطو ضميره إلا على الرضا ، فكذلك كل ما يجري من اللّه تعالى ويلي هذين السياقين ما ذكره في كتابه المسمى : « بالأربعين في أصول الدين » قال في الأصل التاسع من أصول الدين : الرضا بالقضاء أن المسببات رتبت على الأسباب على أكمل الوجوه وأحسنها ، وليس في الإمكان أحسن منها وأكمل ، ولو كان لكان بخلا لا جودا أو عجزا يناقض القدرة ، ويلي هذه السياقات الثلاثة ما قاله الشيخ كمال الدين أبو بكر محمد بن إسحاق الشافعي الصوفي في كتابه ( مقاصد منجيات الأحياء ) وهذا نصه بعد أن ذكر مراتب الإيمان فقال : فحينئذ ترجع أيها الناظر إليه ويعتمد قلبك عليه فتزداد نورا بتوجهك واعتمادك لقوله تعالى :وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا[ العنكبوت : 69 ] فيشرق في قلبك بهدايته ما أشرقت في قلوب أنبيائه كما قال تعالى حاكيا عن نبيهإِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ[ هود : 56 ] أي مستقيم في أحكامه وأقضيته التي قدرها في أزله وأنها على أتم