بقدر معلوم منتظر ، وما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطاك لم يكن ليصيبك .
ولنقتصر على هذه المرامز من علوم المكاشفة التي هي أصول مقام التوكل ، ولنرجع إلى علم المعاملة إن شاء اللّه تعالى وحسبنا اللّه ونعم الوكيل .
شرح
المحدودة بقدر معلوم لا يزيد ولا ينقص ، وكذلك لا يخرج شيء عن قضائه وقدره ، ( بل كل صغير وكبير ) من الأعمال ( مستطر ) أي سطر في اللوح رواه ابن المنذر عن ابن عباس . قال قتادة : أي محفوظ مكتوب رواه عبد بن حميد ، ( وحصوله بقدر معلوم منتظر ، وما أصابك ) من الخير والشر والنفع والضر ( لم يكن ليخطئك وما أخطاك ) منها ( لم يكن ليصيبك ) رواه أحمد والطبراني والبزار من حديث أبي الدرداء : « لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه ليخطئه وما أخطاه لم يكن ليصيبه » ورجال الطبراني ثقات ، فالعلم بهذه الأشياء وطمأنينة القلب بها وسكينة العقل عند ورودها وأن لا يضطرب بالرأي والمعقول ولا ينازع بالتشبيه والتمثيل هو من فرائض الإيمان ، لا يصح إيمان عبد حتى يسلم ذلك كله . ومنه قول ابن عباس :
القدر نظام التوحيد ، فمن وحّد اللّه وكذب بالقدر كان تكذيبه بالقدر نقصا في التوحيد ، فجعل الإيمان بالأقدار كلها أنها من اللّه تعالى مشيئة وحكما بمنزلة الخيط الذي ينتظم عليه الحب ، وإن التوحيد منتظم فيه فإذا انقطع الخيط سقط الحب قال : كذلك إذا كذب بالقدر ذهب الإيمان ، فالتوكل فرض وفضل ففرضه منوط بالإيمان وهو تسليم الأقدار كلها للقادر واعتقاد أن جميعها قضاؤه وقدره ، وأما فضل التوكل فيكون عن مشاهدة الوكيل لأنه في مقام المعرفة برؤية عين اليقين .
( ولنقتصر على هذه المرامز ) أي الإشارات ( من علوم المكاشفة التي هي أصول مقام التوكل ) وعليها بناؤه ومستقره ، ( ولنعد إلى علم المعاملة إن شاء اللّه تعالى ) ولسياق المصنف هذا من أول قوله : ولا يتم هذا إلا بالإيمان والرحمة إلى هنا شواهد تدل على صحته من أقواها وأقربها إليه قول المصنف نفسه في كتابه جواهر القرآن وهذا نصه : لا يكفي الإيمان بالتوحيد في إثارة حالة التوكل حتى ينضاف إليه الإيمان بالرحمة والجود والحكمة ، إذ به يحصل الثقة بالوكيل الحق ، وهو أن تعتقد جزما أو ينكشف لك بالبصيرة أن اللّه تعالى لو خلق الخلائق كلهم على عقل أعقلهم ، بل على أكمل ما يتصور أن يكون عليه حال العقل ثم زادهم أضعاف ذلك علما وحكمة ، ثم كشف لهم عن عواقب الأمور وأطلعهم على أسرار الملكوت ولطائف الحكمة ودقائق الخير والشر ، ثم أمرهم أن يدبروا الملك والملكوت لما دبروه بأحسن مما هو عليه ، ولم يمكنهم أن يزيدوا ولا ينقصوا منه جناح بعوضة ، ولم يستصوبوا البتة دفع مرض وعيب ونقص وفقر وضر وجهل وكفر ، ولا أن يغيروا قسمة اللّه من رزق وأجل وقدرة وعجز وطاعة ومعصية ، بل شاهدوا جميع ذلك عدلا محضا لا جور فيه وحقا صرفا لا نقص فيه واستقامة تامة لا قصور فيها ولا تفاوت ، بل كل ما يرون نقصا يرتبط به كمال آخر أعظم منه لا يتوصل إلى ذلك النفع إلا به ، وعلموا قطعا أن اللّه تعالى حكيم جواد رحيم لم يبخل على الخلق أصلا ولم يدخر في إصلاحهم أمرا ، وهذا بحر