ذلك غامض ذلك لا يعقله إلا العالمون ، ووراء هذا البحر سر القدر الذي تحير فيه الأكثرون ومنع من إفشاء سره المكاشفون .
والحاصل أن الخير والشر مقضى به ، وقد كان ما قضى به واجب الحصول بعد سبق المشيئة فلا رادّ لحكمه ولا معقب لقضائه وأمره ، بل كل صغير وكبير مستطر وحصوله
شرح
وبأفعال اللّه المكاشفون بأنوار اللّه ، ( ووراء هذا البحر ) العظيم المتلاطم ( سر القدر الذي تحير فيه الأكثرون ) واندهش فيه المخلصون ، ( ومنع إفشاء سره المكاشفون ) .
روى الطبراني بإسناد حسن عن ابن عباس قال : لما بعث اللّه موسى وأنزل عليه التوراة قال :
اللهم إنك رب عظيم ولو شئت أن تطاع لأطعت ، ولو شئت أن لا تعصى لما عصيت ، وأنت تحب أن تطاع فكيف هذا يا رب ؟ فأوحى اللّه إليه : إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون ، ثم سأل عزير مثل ذلك فأجابه إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون ، فأبت نفسه حتى سأل ثلاثا فقال اللّه تعالى : أتستطيع أن تصرصرة من الشمس ؟ قال : لا . قال : أتستطيع أن تجيء بمكيال من ريح ؟ قال : لا . قال :
أتستطيع أن تجيء بمثقال من نور ؟ قال : لا . قال : فهكذا لا تقدر على ذلك الذي سألت عنه ، إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون ، ثم سأل عيسى فأجابه كذلك ، فجمع عيسى من تبعه فقال : القدر سر اللّه فلا تكلفوه .
وروى أبو نعيم في الحلية من حديث ابن عمر : القدر سر اللّه فلا تفشوا للّه عز وجل سره ، وقد تقدم ونقل المصنف في مقدمة التهافت ، وإنما منع عن ذكر القدر ، يعني وهو القدرة من شأنها أن تتعلق بالمحال لأنه يوهم عند العوام عجزا قال : فالصواب أن يلقي إليهم أن الأول قادر على كل شيء ليوجب ذلك تعظيما في صدورهم ، فلو فصل وفسرت الأمور إلى ممكنة وغير ممكنة لظنوا أن ذلك عجز قال : فهذا سر القدر على ما قيل .
( والحاصل ؛ أن الخير والشر ) كل منهما ( مقضى به ) ومرضى به ، فالخير بالذات والشر بالعرض وكل بقدر ، ( وقد صار ما قضى به واجب الحصول بعد سبق المشيئة فلا راد لحكمه ولا معقب لقضائه ) قال المصنف في المقصد الأسنى : إذا كان معنى الحكمة ترتب الأسباب وتوجهها إلى المسببات كان المتصف بها على الإطلاق حكيما مطلقا ، لأنه مسبب كل الأسباب جملتها وتفصيلها ، ومن الحكم يتشعب القضاء والقدر فتدبيره أصل وضع الأسباب لتتوجه إلى المسببات هو حكمه وإيجاده للأسباب الكلية الأصلية الثابتة المستقرة التي لا تحول ولا تزول إلى وقت معلوم ، كالأرض والسماوات والكواكب وحركاتها المتناسبة الدائمة التي لا تتغير ولا تنعدم إلى أن يبلغ الكتاب أجله ، وضعه إياها ونصبه لها هو قضاؤه وتوجيه هذه الأسباب بحركاتها المتناسبة المحدودة المقدرة المحسوبة إلى المسببات الحادثة منها لحظة بعد لحظة هو قدره ، فالحكم هو التدبير الأول الكلي والأمر الأزلي هو كلمح البصر ، والقضاء هو الوضع الكلي للأسباب الكلية الدائمة ، والقدر هو توجيه الأسباب الكلية بحركاتها المقدرة المحسوبة إلى مسبباتها المعدودة