تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
فيه وحق لا لعب فيه ، وهذا الآن بحر آخر عظيم العمق واسع الأطراف مضطرب الأمواج قريب في السعة من بحر التوحيد فيه غرق طوائف من القاصرين ، ولم يعلموا أن
شرح
فقس على ذلك سائر الأنواع ، وقد يكون الشيء أبدع في وقت وخلافه أبدع في وقت آخر ، ومن ثم يوجد اللّه الرخاء في وقت والغلاء في وقت آخر أو في مكان دون مكان ، وكذا الحياة والموت والعسر واليسر والأمن والخوف والصحة والسقم ، وذلك لعلم اللّه بحكمته البالغة : إن الأبدع في هذا الوقت إيجاد أحد الضدين إلى وقت كذا ، فإذا جاء ذلك الوقت فالأبدع إيجاد ضده فيوجده على حسب حكمته ، ومن قدح في شيء من هذا فقد قدح في الحكمة وعارض حكمة الحكيم برأي من عنده زعم بجهله أنه أسد مما اقتضته الحكمة ، ويرشح ذلك قصة المنسوخ من الشرائع والأحكام ، فإن اللّه تعالى عالم بحكمته البالغة أن الأبدع شرّع هذا الحكم في هذا الوقت فشرعه إلى وقت كذا ، فإذا جاء الوقت فالأبدع شرع خلافه فيشرعه ، وقد نص بعض أرباب البيان في تقدير وجه إعجاز القرآن على ما يشبه ذلك فقال : لا شك في أن الباري تعالى عالم بجميع أصناف الكلام ، فاختار لكتابه أفصحها وجها فأنزله عليه فلا يمكن أفصح منه ، وكذلك نقول في الموجودات : علم اللّه في كل موجود جميع الوجوه الممكن إيجاده على أوجه كثيرة غير ذلك إلا أنها ليست بأبدع والأبدع الوجه الذي أوجده اللّه عليه ونقول في خلق الإنسان إنه يمكن بروزه على أوجه غير الصورة التي أبرزها اللّه عليها من جعل رأسه أسفله أو في ظهره مثلا ، أو كونه بعين واحدة ، أو كون يديه أو عينيه خلف ، أو كون فمه في رأسه أو بطنه أو غير ذلك من الوجوه الممكنة التي لا نشك في صلاحية القدرة لها ، لكنها ليست بأبدع والأبدع هذه الصورة الموجودة لما فيها من المحاسن والحكم وشاهده قوله تعالى :لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ[ التين : 4 ] وهذا نص قاطع في أن الصورة التي خلق عليها الإنسان لا أبدع منها ، وكذلك نقول في سائر الحيوانات أنها موجودة على الصورة التي لا أبدع منها مع صلاحية القدرة لايجادها على صور شتى لكن ما وجدت عليه أبدع وشاهده قوله تعالى :الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ[ السجدة : 7 ] قال ابن عباس : أحسن كل شيء خلقه فجعل الكلب في خلقه حسنا . رواه ابن أبي حاتم وقال أيضا خلق اللّه لكل شيء ما يشاكله من خلقه وما يصلحه من رزقه ، فخلق البعير خلقا لا يصلح شيء من خلقه على غيره من الدواب ، وكذلك كل شيء من خلقه ، وخلق لدواب البر وطيرها من الرزق ما يصلحها في البر ، وخلق لدواب البحر وطيرها من الرزق ما يصلحها في البحر ، فذلك قوله تعالى :إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ[ القمر : 49 ] رواه الطبراني في المعجم الكبير . ( وهذا الآن بحر زاخر عظيم واسع الأطراف مضطرب الأمواج قريب السعة من بحر التوحيد فيه غرق طوائف من القاصرين ) إذ توغلوا فيه ولم يكونوا أقوياء في علوم المكاشفة ، فاضطربت عليهم أمواج القدرة فاندهشت عقولهم وفغرت تماسيح العزة فاها فاصطكت أفهامهم ، ( ولم يعلموا ) قبل دخولهم ( أن ذلك غامض ) خفي المدرك ( لا يعقله إلا العالمون ) باللّه