تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
الأمر في التفاوت الذي بين الخلق في القسمة في الدنيا والآخرة ، فكل ذلك عدل لا جور
شرح
الدنيا والآخرة ) من الغنى والفقر وحسن الصورة وقبحها والصحة والمرض والتوفيق والخذلان والإيمان والكفر والطاعة والمعصية ، ( فكل ذلك عدل لا جور فيه وحق لا لعب فيه ) ويشهد لا بدعية هذا التفاوت ما أخرجه عبد اللّه بن أحمد في زوائد المسند وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه في تفاسيرهم واللالكائي في السنة وابن منده في كتاب الرد على الجهمية بسند صحيح عن أبي بن كعب في قوله تعالى :وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ[ الأعراف : 172 ] الآية قال : جمعهم فجعلهم أرواحا ثم صوّرهم فاستنطقهم وآدم ينظر إليهم ، فرأى الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك فقال : يا رب لولا سوّيت بين عبادك . قال : إني أحببت أن أشكر . وأخرج ابن أبي حاتم وابن منده في الرد على الجهمية من حديث أبي هريرة قال : إن اللّه تعالى لما خلق آدم مسح ظهره فخرت منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ثم عرضها على آدم فإذا فيهم الأجذم والأبرص والأعمى وأنواع الأسقام ، فقال آدم : يا رب لم فعلت هذا بذريتي ؟ فقال : كي تشكر نعمتي . فهذا نص من اللّه تعالى على الحكمة في خلق الناس متفاوتين في صفة الكمال والنقص حتى أنه جعل أنواع البلاء متفاوتة إرادة الشكر ، فلا ترى ذا بلاء إلا وهو يرى من هو أشد بلاء منه ، ولا ذا حال شيء إلا وهو يرى من هو أسوأ حالا منه ولو من نوع آخر ، فترى مثلا الفقير الذي لا يجد قوته ويبيت الليالي طاويا من هو دنف ملازم الوساد وهو كثير المال فيشكر اللّه تعالى على العافية ، وذلك الدنف يرى ذلك الفقير وهو يتمنى القوت فلا يجد فيشكر إن رزقه اللّه الغنى مع سقمه ولم يجعله يتكفف الناس ، وترى الملك ينظر إلى ما حوله من النعيم ونفوذ الأمر فيشكر اللّه أن جعله آمرا مأمورا ومالكا مملوكا ، وترى آحاد الرعية إلى ما يقاسيه الملك من أنكاد الدنيا وهمومها وخروج الخوارج عليه وانتشار المفسدين والقطاع وخوفه على نفسه مما يغتاله أو يسلب منه ملكه أو يقصد بأنواع المكايد ، ثم ما يتبع ذلك من الحساب يوم القيامة على كل فرد فرد من رعاياه وهل قام فيهم بما أمره اللّه تعالى من العدل فيهم وتخليص مظلومهم من ظالمهم وإنفاذ أوامر اللّه فيهم وإيصال حقوقهم إليهم وعلى كل ذرة من مال قبضها هل أخذ كما أمر اللّه تعالى وصرفها فيما أمر اللّه تعالى ، فيحمد اللّه ذلك المسكين إن لم يجعله ملكا ، فحينئذ لا ترى من الناس إلا شاكرا كل بحسب حاله ، فانظر إلى هذه الحكمة البديعة في جعل الخلق مع تباين أحوالهم متفاوتين في الحال الواحد مقولين بالتشكيك لا بالتواطؤ ، فذوو الفقر متفاوتون ليرى دونه وكذا ذوو البلاء إلى غير ذلك ، وإرادة الشكر من المقاصد المعتبرة بدليل ما في الخبر : ما أحد أحب إليه المدح من اللّه من أجل ذلك مدح نفسه ، ووجه آخر في خلق المكروهات وما فيها من الفوائد الدنيوية والأخروية وهي خمسة كما تقدم للمصنف في كتاب الشكر ، وأوصلها العز بن عبد السلام إلى سبعة عشر في تأليف مخصوص ، وقد قال : خيرة اللّه لعبده فيما يكره أكثر من خيرته له فيما يحب . وفي الخبر : عجبت للمؤمن وقضاء اللّه له خير إن أصابه خير أو شر : وقال صلّى اللّه عليه وسلم لمن قال له أوصني : « اذهب أن لا تتهم اللّه على نفسك » فهذا نوع من أنواع الموجودات تبين فيه وجه الأبدعية بالنسبة إلى ضده ،