تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
الآخرة وكل نقص في الآخرة بالإضافة إلى شخص فهو نعيم بالإضافة إلى غيره ، إذ لولا الليل لما عرف قدر النهار ، ولولا المرض لما تنعم الأصحاء بالصحة ، ولولا النار لما عرف أهل الجنة قدر النعمة ، وكما أن فداء أرواح الإنس بأرواح البهائم وتسليطهم على ذبحها ليس بظلم بل تقديم الكامل على الناقص عين العدل ، فكذلك تفخيم النعم على سكان الجنان بتعظيم العقوبة على أهل النيران ، وفداء أهل الإيمان بأهل الكفران عين العدل ، وما لم يخلق الناقص لا يعرف الكامل ، ولولا خلق البهائم لما ظهر شرف الإنس ، فإن الكمال والنقص يظهر بالإضافة ، فمقتضى الجود والحكمة خلق الكامل والناقص جميعا ، وكما أن قطع اليد إذا تأكلت إبقاء على الروح عدل لأنه فداء كامل بناقص ، فكذلك
شرح
بقال آخر فهل ينقص ذلك من رزقي شيئا ؟ فقال : لا ، ولكن يزيد في بطالتك عن البيع . ( وكل نقص في الآخرة بالإضافة إلى شخص ) قد نقص حظه الأوفر منها ( فهو نعيم بالإضافة إلى غيره ) إذا كانت الدنيا ضدها ، ( إذ لولا الليل لما عرف قدر النهار ) ولولا الكفر لما عرف قدر الإيمان ، ( ولولا المرض لما تنعم الأصحاء بالصحة ) ، ولولا المعصية لم يعرف قدر الطاعة ، ( ولولا النار لما عرف أهل الجنة قدر النعمة ) فهذا قد لوحظ فيه من حيث الحكمة التي يجب الإيمان بها ، فهذا بعض أسرار كونه أبدع ، ( وكما أن فداء أرواح الإنس بأرواح البهائم وتسليطهم على ذبحها ليس بظلم ، بل تقديم الكامل على الناقص عين العدل ) ، والمراد بالكامل الإنسان ووصفه بذلك بالإضافة إلى البهائم فإنها ناقصة ، ولما كان بقاء الإنسان يحتاج إلى غذاء يستمسك به قوته امتن اللّه عليه بخلق البهائم فكانت لحومها أغذية له يشير إلى ذلك قوله تعالى :وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً[ الأنعام : 142 ] ( فكذلك تفخيم النعم ) أي توفيرها وتكبيرها ( على سكان الحنان بتعظيم العقوبة على أهل النيران وفداء أهل الإيمان بأهل الكفران عين العدل ) كما ورد في الخبر : أنه يقال للمسلم هذا الكافر فداؤك من النار . ( وما لم يخلق الناقص لا يعرف الكامل ، ولولا خلق البهائم لما ظهر شرف الانس ، فإن الكمال والنقص يظهر بالإضافة ) فإن درجات الأحياء ثلاثة : درجة الملائكة ودرجة الأنس ودرجة البهائم ، فأما درجة البهائم فهي أسفل في نفس الحياة التي بها شرفها لأن الحي هو الدراك الفعال وفي إدراك البهيمة نقص وفي فعلها نقص ، وأما درجة الملائكة فهي أعلى الدرجات لقربها من حضرة القدس ، وأما الإنسان فدرجته متوسطة بينهما وكأنه مركب منهما ، والأغلب عليه في الأول البهيمية ثم يشرق عليه في الآخر نور العقل فيأخذ بذلك شبها من الملائكة ، والمقصود أن الكمال والنقص من الأمور المتضايقات ، ( فمقتضى الجود و ) سعة ( الحكمة خلق الكامل والناقص جميعا ) ولولا ذلك لما عرف أحدهما من الآخر فهذا بعض أسرار كونه أبدع ، ( وكما أن قطع اليد إذا تأكلت ) أي أصابها مرض الأكلة ولا دواء لها إلا القطع ( إبقاء على الروح ) أي على حياته ( عدل لأنه فداء كامل بناقص ، فكذلك الأمر في التفاوت ) الواقع ( الذي ) هو ( بين الخلق في القسمة في