تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
وليس في الإمكان أصلا أحسن منه ولا أتم ولا أكمل ولو كان وادخره مع القدرة ولم يتفضل بفعله لكان بخلا يناقض الجود وظلما يناقض العدل ، ولو لم يكن قادرا لكان عجزا يناقض الإلهية ، بل كل فقر وضر في الدنيا فهو نقصان في الدنيا وزيادة في
شرح
الحكم واحتجوا بظواهر الرسم ونسوا سوابق القسم وما يعقلها إلا العالمون إن في ذلك لآيات للعالمين ، وهذه شهادة المتوكلين وهي مقامات النبيين . ( وليس في الإمكان ) هو الأمر الذي هو موضع القدرة ومحل القوة والتمكن وهو ما ليس بواجب ولا بمجال ممتنع لذاته ( أصلا أحسن منه ولا أتم ولا أكمل ، ولو كان ) كذلك ( وادخره مع القدرة ) عليه ( ولم يفعل لكان بخلا يناقض الجود وظلما يناقض العدل ، ولو لم يكن قادرا لكان عجزا يناقض الألوهية ) هكذا نص هذه العبارة في سائر نسخ الكتاب لا سيما وفي أواخر بعضها أنها نقلت من نسخة موثوقة بها معتمدا على صحتها ، وتقرير هذا الكلام يظهر من معرفة أمرين . أحدهما : إن المجمع عليه عند أهل السنّة أن القدرة إنما تتعلق بالممكن دون المستحيل ، فكل ما صح حدوثه وتوهم كونه ولم يستحل في العقل وجوده فاللّه سبحانه قادر على إيجاده واحداثه ، وكل ما استحال وجوده لم يوصف أحد بالقدرة عليه ولا بالعجز عنه لأن العجز إنما يصح عما تصح القدرة عليه ، وكل ما لا يصح أن يكون مقدورا عليه فلا يصح أن يكون معجوزا عنه ، ولذلك لا يوصف أحد بالعجز عن الجمع بين الضدين ولا بالعجز عن جمع العالم في قشر بيضة ونحو ذلك ، لأن ذلك مما لا تصح القدرة عليه فلا يصح العجز عنه ، ولذلك قالوا : إن الإنسان لا يوصف بالعجز عن خلق الأعيان لأنه لا يصح وصفه بالقدرة على خلقها ، وفي هذه المسألة خلاف مع جماعة من المعتزلة منهم : أبو الهذيل والشحام وثمامة ومعمر والأسواري والنظام والكرامية مجسمة خراسان مبسوط في محله . والأمر الثاني : النفي في هذا الكلام ليس منصبا على إمكان وجود شيء غير الموجود ، إنما هو منصب على كونه أبدع من الموجود ، فالنفي هنا كون شيء مما يمكن وجوده أبدع مما وجد مع قطعه بصلاحية القدرة لإيجاده ، فإذا فهمت الأمرين سهل عليك حل الكلام وسيأتي ما يتعلق به تسليما وردا . ( بل كل فقر وضرر في الدنيا فهو نقصان من الدنيا لزيادة من الآخرة ) قال صاحب القوت : اعلم أن الزهد لا ينقص من الرزق ولكنه يزيد في الصبر ويديم الجوع والفقر ، فيكون هذا رزقا للزاهد من الآخرة على هذه الصفة من حرمان نصيبه من الدنيا وحمايته عن التكثر منها والتوسع فيها ، ويكون الزهد سببه فيكون ما صرف عنه ومنعه من الدنيا من الغنى والتوسع رزقه من الآخرة والدرجات العلى بحسن اختيار من اللّه تعالى وحيطة نظر كما حدثونا عن بعض العلماء أن بقالا جاء إليه فقال : إني كنت أبيع في محلة لا بقال فيها غيري ، فكنت أبيع الكثير ثم قد فتح عليّ