تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
والآخرة جناح بعوضة ولا أن ينقص منها جناح بعوضة ، ولا أن يرفع منها ذرة ولا أن يخفض منها ذرة ، ولا أن يدفع مرض أو عيب أو نقص أو فقر أو ضر عمن بلي به ، ولا أن يزال صحة أو كمال أو غنى أو نفع عمن أنعم به عليه ، بل كل ما خلق اللّه تعالى من السماوات والأرض - إن رجعوا فيها البصر وطوّلوا فيها النظر - ما رأوا فيها من تفاوت ولا فطور ، وكل ما قسم اللّه تعالى بين عباده من رزق وأجل وسرور وحزن وعجز وقدرة وإيمان وكفر وطاعة ومعصية ، فكله عدل محض لا جور فيه ، وحق صرف لا ظلم فيه ، بل هو على الترتيب الواجب الحق على ما ينبغي وكما ينبغي وبالقدر الذي ينبغي ،
شرح
والتظاهر عليه أن يزداد فيما دبر اللّه سبحانه الخلق به في الدنيا والآخرة جناح بعوضة ، ولا أن ينقص منها جناح بعوضة ، ولا أن يرفع منها ذرة ، ولا أن يخفض منها ذرة ، ولا أن يدفع مرض أو عيب أو نقص أو فقر أو ضر عمن بلي به ، ولا أن يزال صحة أو كمال أو غنى أو نفع عمن أنعم به عليه ، بل كل ما خلقه اللّه تعالى من السماوات والأرض إذا ارجعوا فيها البصر وطوّلوا فيها النظر ما رأوا فيها من تفاوت ولا فطور ) هذا السياق منتزع من القوت ، ولفظه : اعلم يقينا أن اللّه تعالى لو جعل الخلائق كلهم من أهل السماوات والأرضين على علم أعلمهم به وعقل أعقلهم عنه وحكمة أحكمهم عنده ، ثم زاد كل واحد من الخلائق مثل عدد جميعهم وأضعافه علما وحكما وعقلا ، ثم كشف لهم العواقب واطلعهم على السرائر وأعلمهم بواطن النعم وعرفهم دقائق العقوبات والنقم ، ثم قال لهم : دبروا الملك بما أعطيتكم من العلوم والعقول على مشاهدتكم عواقب الأمور وإطلاعكم على سرائر المقدور ، ثم أعانهم على ذلك وقوّاهم له لما زاد تدبيرهم على ما تراه الآن من تدبير اللّه من الخير والشر والنفع والضر جناح بعوضة ، ولا نقص عن ذرة ، ولا أوجبت العقول المكاشفات ، ولا العلوم المشاهدات غير هذا التدبير ، ولا قضت بغير هذا التقدير الذي يعاينه ويتقلب فيه ولكن لا يبصرون انتهى . ويشهد لهذا السياق ما في الحلية في ترجمة وهب بن منبه قال : ألم يفكر ابن آدم ثم يتفهم ويعتبر ثم يبصر ثم يعقل ويتفقه ، حتى يعلم أن للّه علما به يعلم العالم وحكمة بها يتقن الخلق ويدبر بها أمور الدنيا والآخرة ، فإن آدم لم يبلغ بعلمه المقدر علم اللّه الذي لا مقدار له ، ولن يبلغ بحكمته حكمة اللّه تعالى التي بها يحيي الخلق ويقدر المقادير . ثم قال المصنف : ( وكل ما قسم اللّه تعالى بين عباده من رزق وأجل وسرور وحزن وعجز وقدرة وإيمان وكفر وطاعة ومعصية ، فكله عدل محض لا جور فيه ، وحق صرف لا ظلم فيه ، بل هو على الترتيب الواجب الحق على ما ينبغي وكما ينبغي وبالقدر الذي ينبغي ) قال صاحب القوت : لأنه أجراه على ترتيب العقول وبمعاني العرف والمعتاد من الأمور بالأسباب العقلية والأواسط المشهرة على معيار ما طبع العقول فيه وجبل المعقول عليه ، ثم غيب في ذلك العواقب وحجب السرائر وأخفى المثاوب فعاب بغيبها حسن التدبير وجميل التقدير ، فجهل أكثر الناس