تجوز به عما وضعه اللغوي له ، ولما جرى حقيقة المعنى على لسان بعض الأعراب قصدا أو اتفاقا صدقه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « أصدق بيت قاله الشاعر قول لبيد : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل » ، أي كل ما لا قوام له بنفسه - وإنما قوامه بغيره - فهو باعتبار نفسه باطل ، وإنما حقيته وحقيقته بغيره لا بنفسه ، فإذا لا حق بالحقيقة إلى الحي القيوم الذي ليس كمثله شيء ، فإنه قائم بذاته وكل ما سواه قائم بقدرته ، فهو الحق وما سواه
شرح
ولفظ القوت : وعند أهل المعرفة أن لا فاعل حقيقة إلا اللّه ، لأن حقيقة الفاعل هو الذي لا يستعين بغيره من آلة ولا سبب انتهى .
ولا يخفى أن هذا اصطلاح لهم ، وكون أن واضع اللغة وضع الفعل للاختراع فيه تأمل ، وإنما الفعل عندهم عبارة عن الهيئة العارضة للمؤثر في غيره بسبب التأثير أولا كالهيئة الحاصلة للقاطع بسبب كونه قاطعا ، وقيل : هو التأثير من جهة مؤثر ، وقيل هو ما ظهر من داعية من الموقع ؛ فهذه حدود الفعل التي وضعها فقهاء اللغة . وأما الاختراع فهو ابتداع شيء بلا سبب ولم يظن أحد منهم أن الإنسان يخترع شيئا بلا سبب فيسمى لذلك فاعلا ، فضلا عن أن يظن أن نسبته إليه على الحقيقة فتأمل ذلك .
( ولما جرى حقيقة المعنى على لسان بعض الاعراب ) إما ( قصدا أو اتفاقا صدقه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال « أصدق بيت قاله شاعر ) وفي نسخة قالته العرب ( قول لبيد :ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل » ) * وكل نعيم لا محالة زائلقال العراقي متفق عليه من حديث أبي هريرة بلفظ « قاله الشاعر » وفي رواية لمسلم « أشعر كلمة تكلمت بها العرب » انتهى .
قلت : لفظ الصحيحين : « أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل » . وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم ، ورواه كذلك أحمد وابن ماجة ، وفي رواية لمسلم :
« أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد « ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل » .
وقد رواه الترمذي كذلك . قال صاحب القوت ، قال الشاعر ذلك ، وهو يعلم أن في الأشياء أواسط حق وأسباب صدق ، ثم لم يمنعه ذلك أن قال هذا إيثارا منه للتوحيد للمتوحد هذا مع قرب عهدهم بتكذيب الرسل وإبطال الكتب ، ولكن لما كانت الأشياء بعد أن لم تكن ولا تكون بعد أن كانت أشبهت الباطل الذي لا حقيقة له أولية ولا ثبات له آخرية ، وكان اللّه تعالى الأول الأزلي والآخر الأبدي فهو الحق ولا هكذا سواه انتهى .
وقد زاده المصنف وضوحا بقوله : ( أي كل ما لا قوام له بنفسه وإنما قوامه بغيره فهو باعتبار نفسه باطل ، وإنما حقيته وحقيقته بغيره لا بنفسه ، فإذا لا حق بالحقيقة إلا الحي القيوم الذي ليس كمثله شيء فإنه قائم بذاته وكل ما سواه قائم بقدرته فهو الحق وما سواه باطل ) .