المحقق الذي عرف الحق والحقيقة ، ومن أضافه إلى غيره فهو المتجوز والمستعير في كلامه ، وللتجوز وجه كما أن للحقيقة وجها ، واسم الفاعل وضعه واضع اللغة للمخترع ، ولكن ظن أن الإنسان مخترع بقدرته فسماه فاعلا بحركته وظن أنه تحقيق ، وتوهم أن نسبته إلى اللّه تعالى على سبيل المجاز مثل نسبة القتل إلى الأمير فإنه مجاز بالإضافة إلى نسبته إلى الجلاد ، فلما انكشف الحق لأهله عرفوا أن الأمر بالعكس وقالوا : إن الفاعل قد وضعته أيها اللغوي للمخترع فلا فاعل إلا اللّه فالاسم له بالحقيقة ولغيره بالمجاز ، أي
شرح
باقٍ[ النحل : 96 ] وجميعها عنده في خزائنه إلا أنه أضاف الدنيا إلينا لرجوع الأحكام علينا ، وليزهدنا فيها ، وأضاف الآخرة إليه تخصيصا لها وتفضيلا ليرغبنا فيها ، وقد قال تعالى مخبرا عن عيسى عليه السلام :وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ[ المائدة : 110 ] ومثله قال :فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ[ النساء : 8 ] فسماه خالقا إذ خلق اللّه على يده وسماهم رازقين لما جرى على أيديهم رزق أهلهم فهو عندي كقوله في مريم :وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا[ مريم : 25 ] وقد علمت أن الرطب لم يتساقط بهزها ولا فعل ولا جعل لهزها في الرطب ، ولكن أراد أن يظهر كرامتها ويجعل الآية منه بيدها ، ومثله قوله تعالى :ارْكُضْ بِرِجْلِكَ[ ص : 42 ] هذا مغتسل بارد وشراب فركض برجله ، فنبعت عينان أشد بياضا من الثلج وأحلى من العسل ، فشرب من إحداهما فغسل ما في جوفه من البلاء ، واغتسل من الأخرى فزال ما في جسمه من السقم والأذى ولا فعل لرجليه في اظهار العينين ، ولكن اللّه عزّ وجل خلق ذلك على يده وأجراه بواسطته تكرمة له وآية وهبها له . ونحو ذلك قوله تعالى لإبراهيم :ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً[ البقرة : 26 ] فجعل كيفية احياء الموتى بيده تعالى بدعوته عليه السلام وكان ذلك جوابا لمسألتهأَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى[ البقرة : 26 ] ولامكان له في الاحياء ، وكان اللّه في الدعوة كيف شاء ، وكذلك الموقن العارف ينطق عن اللّه فيكون اللّه تعالى المظهر لبيانه والمجري على لسانه ، كما كلم موسى عليه السلام من الشجرة وكان هو المكلم لعبده وصارت الشجرة حجابا أوجده واللّه غالب على أمره ، وكما ينطق الروحاني من الملائكة على ألسنة النبيين ، وينطق الجناني من الأرواح على ألسنة المجانين ، واللّه من ورائهم محيط .
( فكل من أضاف الكل إلى اللّه تعالى فهو المحقق الذي عرف الحق والحقيقة لأهله ، ومن أضافه إلى غيره فهو المتجوّز والمستعير في كلامه وللتجوّز وجه ، كما أن للحقيقة وجها واسم الفاعل وضعه واضع اللغة للمخترع ) وهو المبتدع من غير سبب ، ( ولكن ظن أن الإنسان مخترع بقدرته فسمّاه فاعلا بحركته ، وظن أنه تحقيق وتوهم أن نسبته إلى اللّه تعالى على سبيل المجاز مثل نسبة القتل إلى الأمير ، فإنه مجاز بالإضافة إلى نسبته إلى الجلاد ، فلما انكشف الحق لأهله عرفوا أن الامر بالعكس وقالوا : إن الفاعل قد وضعته أيها اللغوي للمخترع فلا فاعل إلا اللّه ، فالاسم له بالحقيقة ولغيره بالمجاز أي تجوّز به عما وضعه اللغوي له ) .