تتناقض هذه المعاني إذا فهمت ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم للذي ناوله التمرة : « خذها ، لو لم تأتها لأتتك » ، أضاف الإتيان إليه وإلى التمرة ، ومعلوم أن التمرة لا تأتي على الوجه الذي يأتي الإنسان إليها . وكذلك لما قال التائب : أتوب إلى اللّه تعالى ولا أتوب إلى محمد ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « عرف الحق لأهله » ، فكل من أضاف الكل إلى اللّه تعالى فهو
شرح
مشركا في أسماء اللّه غيره ، إذ كان اللّه هو المانع المعطي الضار النافع كما هو المحيي المميت لا شريك له في ملكه ولا ظهير له من عباده في خلقه ورزقه ، وهذا عندهم يقدح في حقيقة توحيد العبد وهو من الشرك الخفي ، وقد قال بعضهم في معنى قوله تعالى :وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ[ يوسف : 106 ] قال مؤمن باللّه باقراره إن اللّه هو المقدر والمدبر ومشرك في الاعتماد على الأسباب ورد الأفعال إليها ، ثم قال : ومثل الأواسط من الأول مثل الآلة بيد الصانع ألا ترى انه لا يقال : الشفرة حذت النعل ، ولا السوط ضرب العبد ، وإنما يقال : الحذاء حذى النعل ، وفلان ضرب العبد بالسوط وإن كانت هذه الأواسط مباشرة للأفعال إلا انها آلة بيد صانعها ، وكذلك الخليقة يباشرون الأسباب في ظاهر العيان واللّه من ورائهم محيط القادر الفاعل بلطائف القدرة وخفايا المشيئة ، ألم تر إلى قولهم : الأمير أعطاني كذا وخلع عليّ كذا وان لم يناوله بيده ، ولا يصلح أن يقال : خادم الأمير أعطاني لأجل أنه جرى على يده وإن كان باشر العطاء بنفسه ، إذ قد علم أن الخادم لا يملك ولا يتصرف في ملك الأمير إلا بأمره .
( فإذا العقل يستعمل على وجوه مختلفة فلا تتناقض هذه المعاني إذا فهمت ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم للذي ناوله التمرة « خذها لو لم تأتها لأتتك » ) قال العراقي : رواه ابن حبان في كتاب روضة العقلاء من رواية هذيل بن شرحبيل ، ووصله الطبراني عن هذيل عن ابن عمر ورجاله رجال الصحيح . ( أضاف الاتيان إليه وإلى التمرة ، ومعلوم ان التمرة لا تأتي على الوجه الذي يأتي الانسان إليها ) فوجوه الاتيان مختلفة ، ولم يقل لأتاك بها رجل ، إذ لا بغية في ذكر ذلك كما لا بغية في قول المعطى أن يبتدأ من غير أن يسأل عند إرادة إظهار العطاء الأمير أعطاني على يد عبده فلان ؟ فإن هذا لغو لا يحتاج إلى ذكر العبد مع ذكر الملك . ( وكذلك لما قال التائب : أتوب إلى اللّه ولا أتوب إلى محمد ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم « عرف الحق لأهله » ) وهو الأيسر الذي قال : اللهم إني أتوب إليك . رواه أحمد عن الأسود بن سريع به مرفوعا ، وقد رواه كذلك الطبراني والبيهقي والحاكم والضياء ، وتقدم في كتاب الزكاة .
قال صاحب القوت : وإنما ذكر اللّه تعالى الأسباب لأن الأسماء متعلقة بها ، والاحكام عائدة إلى الأسماء بالثواب والعقاب ، فلم يصلح أن لا يذكر فتعود الأحكام على الحاكم تعالى عن ذلك أنه هو يبدئ ويعيد ، يبدئ الأحكام من الحاكم ويعيدها على المحكوم ، وهذا هو سبب إظهار المكان من الموت والحياة لئلا يكون تعالى محكوما وهو الجليل الحاكم ، ولا يكون مأمورا وهو العزيز الآمر ، وتوجهت الأوامر منه قبل المأمورات ، ومن هذا قوله عز وجل :ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ