تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
قطرة من بحر المقام الثالث من مقامات التوحيد ، واستيفاء ذلك في عمر نوح محال كاستيفاء ماء البحر بأخذ القطرات منه ، وكل ذلك ينطوي تحت قول لا إله إلا اللّه ، وما أخف مؤنته على اللسان ! وما أسهل اعتقاد مفهوم لفظه على القلب ! وما أعز حقيقته ولبه عند العلماء الراسخين في العلم فكيف عند غيرهم ؟ فإن قلت : فكيف الجمع بين التوحيد والشرع ، ومعنى التوحيد . أن لا فاعل إلا اللّه تعالى ، ومعنى الشرع إثبات الأفعال للعباد فإن كان العبد فاعلا فكيف يكون اللّه تعالى فاعلا ؟ وإن كان اللّه تعالى فاعلا فكيف يكون العبد فاعلا ؟ ومفعول بين فاعلين غير مفهوم ؟ فأقول : نعم ذلك غير مفهوم إذا كان للفاعل معنى واحد ، وإن كان له معنيان ويكون الاسم مجملا مرددا بينهما لم يتناقض ، كما يقال : قتل الأمير فلانا ، ويقال : قتله الجلاد ، ولكن الأمير قاتل بمعنى ، والجلاد قاتل بمعنى آخر ؛ فكذلك العبد فاعل بمعنى ، واللّه عز وجل فاعل بمعنى آخر ، فمعنى كون اللّه تعالى فاعلا أنه المخترع الموجد . ومعنى كون العبد فاعلا أنه المحل الذي خلق فيه القدرة بعد أن خلق فيه الإرادة بعد أن خلق
شرح
عمر نوح ) عليه السلام والمراد به العمر الطويل ( محال كاستيفاء ماء البحر بأخذ القطرات منه ، وكل ذلك منوط تحت قولك لا إله إلا اللّه ) لاشتماله على سائر مقامات التوحيد ، ( وما أخف مؤنته على اللسان ) إذ هو أربعة عشر حرفا ، ( وما أسهل اعتقاد مفهوم لفظه على القلب ) سواء كان المنفي معبودا أو مقصودا أو موجودا ، ( وما أعز حقيقته ولبه عند العلماء الراسخين ، فكيف عند غيرهم ) ممن لا رسوخ له في علوم الحقيقة . ( فإن قلت : فكيف الجمع بين التوحيد والشرع ، ومعنى التوحيد أن لا فاعل ) حقيقة ( إلا اللّه ) ومعنوية نفي الافعال مطلقا لغير اللّه تعالى لأن حقيقة الفاعل هو الذي لا يستعين بغيره من آلة ولا سبب ، ( ومعنى الشرع اثبات الأفعال للعباد ، فإن كان العبد فاعلا فكيف يكون اللّه فاعلا ، وإن كان اللّه تعالى فاعلا فكيف يكون العبد فاعلا ومفعول بين فاعلين غير مفهوم ) عند أهل المعرفة إذ ظهور الفعل من فاعلين شرك ؟ ( فأقول : نعم ذلك غير مفهوم إذا كان للفاعل معنى واحد ، وإن كان له معنيان ويكون الاسم مجملا مرددا بينهما لم يتناقض ، كما يقال : قتل الأمير فلانا ، ويقال : قتله الجلاد ، ولكن الأمير قاتل بمعنى ) هو أمره بذلك ، ( والجلاد قاتل بمعنى آخر ) هو مباشرته له ، ( فكذلك العبد فاعل بمعنى واللّه تعالى فاعل بمعنى آخر ، فمعنى كون اللّه تعالى فاعلا أنه المخترع الموجد ) لتلك الأفعال ، ( ومعنى كون العبد فاعلا أنه المحل الذي خلق فيه