تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
الحركة ، وإن كل متأخر حدث من المتقدم ، فإن قلت ذلك فقد حكمت بحدوث شيء لا من قدرة اللّه تعالى ، وإن أبيت ذلك فما معنى ترتب البعض من هذا على البعض ؟ فاعلم أن القول بأن بعض ذلك حدث عن بعض جهل محض ، سواء عبر عنه بالتولد أو بغيره بل حوالة جميع ذلك على المعنى الذي يعبر عنه بالقدرة الأزلية ، وهو الأصل الذي لم يقف كافة الخلق عليه إلا الراسخون في العلم فإنهم وقفوا على كنه معناه ، والكافة وقفوا على مجرد لفظه مع نوع تشبيه بقدرتنا وهو بعيد عن الحق ، وبيان ذلك يطول ، ولكن بعض المقدورات مترتب على البعض في الحدوث ترتب المشروط على الشرط فلا تصدر من القدرة الأزلية إرادة إلا بعد علم ولا علم إلا بعد حياة ولا حياة إلا بعد محل الحياة ، وكما لا يجوز أن يقال الحياة تحصل من الجسم الذي هو شرط الحياة فكذلك في
شرح
الحركة ، وأن كل متأخر حدث من متقدم » فإن قلت ذلك ) واتخذته مذهبا ( فقد حكمت بحدوث شيء لا من قدرة اللّه تعالى ) وذلك باطل ، ( وإن أبيت ذلك فما معنى ترتب البعض من هذا على البعض ) . ( فاعلم أن القول بأن بعض ذلك حدث عن بعض جهل محض سواء عبر عنه بالتولد أو غيره ) والقول بالتولد باطل لا يصدر منا فعل من أفعالنا إلا وهو موجود بقدرته على ما قدرته مشيئته ، ويدل على ذلك قوله تعالى :تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها[ إبراهيم : 25 ] والقول بالتولد هو قول ثمامة المعتزلي ، فإنه زعم أن الأفعال المتولدة لا يقدر عليها أحد ، إذ لا فاعل لها عنده . والجواب أنه لو جاز ثبوت فعل لا فاعل له ولا قادر قدر على إحداثه لم ينكر أن يكون ذلك حكم سائر الأفعال ، فلا يكون في الفعل دليل على إثبات فاعل ولا صانع قادر ، كما أنه لو جاز حدوث جسم لا من محدث لم ينكر حدوث جميع الأجسام لا من محدث أحدثها ولم يكن حينئذ في حدوث الأجسام دلالة على محدثها ، ( بل حوالة جميع ذلك على المعنى الذي يعبر عنه بالقدرة الأزلية ) وهي الصفة التي لأجلها يكون القادر قادرا ، ( وهو الأصل الذي لم تقف كافة الخلق عليه إلا الراسخون في العلم فإنهم وقفوا على كنه معناه ، والكافة ) مكن غيرهم ( وقفوا على مجرد لفظه من نوع تشبيه بقدرتنا ) على قياس الغائب على الشاهد ( وهو بعيد عن الحق ، وبيان ذلك يطول ) وقد سبقت مباحث القدرة في شرح الكتاب الثاني من هذه الكتب ، ( ولكن بعض المقدورات مترتبة على البعض في الحدوث ترتب المشروط على الشرط ، فلا تصدر من القدرة إرادة إلا بعد علم ، ولا علم إلا بعد حياة ، ولا حياة إلا بعد محل الحياة ) فوجود الحياة شرط في وجود القدرة والعلم والإرادة ، وحدث القدرة والإرادة فيما ليس بحي محال ، وكل نوع من الإدراك مختص بالحي وما لا حياة فيه لا يصح أن يكون مدركا ، ( وكما لا يجوز أن يقال الحياة تحصل من الجسم الذي هو شرط الحياة ، فكذلك في سائر