تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
للقتل فإنه يرمي بنفسه من السطح مثلا وإن كان مهلكا ولا يبالي ولا يمكنه أن لا يرمي نفسه ، فإن كان يتبع بضرب خفيف فإن انتهى إلى طرف السطح حكم العقل بأن الضرب أهون من الرمي فوقفت أعضاؤه فلا يمكنه أن يرمي نفسه ولا تنبعث له داعية البتة ، لأن داعية الإرادة مسخرة بحكم العقل والحس ، والقدرة مسخرة للداعية ، والحركة مسخرة للقدرة ، والكل مقدر بالضرورة فيه من حيث لا يدري ، فإنما هو محل ومجرى لهذه الأمور ، فإما أن يكون منه فكلا ولما ، فإذا معنى كونه مجبورا أن جميع ذلك حاصل فيه من غيره لا منه ، ومعنى كونه مختارا انه محل لإرادة حدثت فيه جبرا بعد حكم العقل بكون الفعل خيرا محضا موافقا وحدث الحكم أيضا جبرا فإذا هو مجبور على الاختيار ، ففعل النار في الاحراق مثلا جبر محض ، وفعل اللّه تعالى اختيار محض ، وفعل الإنسان على منزلة بين المنزلتين فإنه جبر على الاختيار ، فطلب أهل الحق لهذا عبارة ثالثة ، لأنه لما كان فنا ثالثا وائتموا فيه بكتاب اللّه تعالى فسموه كسبا وليس مناقضا للجبر ولا للاختيار بل هو جامع بينهما عند من فهمه ، وفعل اللّه تعالى يسمى اختيارا
شرح
( للقتل فإنه يرمي نفسه من ) أعلى ( السطح مثلا ، وإن كان مهلكا ولا يبالي ) من ذلك ( ولا يمكنه أن لا يرمي نفسه فإن كان يتبع بضرب خفيف ) غير مهلك كعصا أو حجر أو نحوها ، ( فإن انتهى إلى طرف السطح حكم العقل بأن الضرب أهون من الرمي فوقفت أعضاؤه فلا يمكنه أن يرمي نفسه ولا تنبعث له داعية البتة لأن داعية الإرادة مسخرة لحكم العقل ، والحس والقدرة مسخرة للداعية ، والحركة مسخرة للقدرة ، والكل يصدر منه بالضرورة فيه من حيث لا يدري ، فإنما هو محل ومجرى لهذه الأمور ، وأما أن يكون منه فكلا ولا ، فإذا معنى كونه مجبرا أن جميع ذلك حاصل فيه من غيره لا منه ، ومعنى كونه مختارا أنه محل الإرادة حدثت فيه جبرا بعد حكم العقل بكون الفعل خيرا موافقا وحدث الحكم أيضا جبرا ، فإذا هو مجبر على الاختيار ففعل النار في الإحراق مثلا جبر محض ، وفعل اللّه تعالى اختيار محض ، وفعل الانسان منزلة بين المنزلتين فإنه جبر على الاختيار ، فطلب أهل الحق لهذا عبارة ثالثة لما كان فنا ثالثا ) أي نوعا آخر ، ( وائتموا ) أي اقتدوا ( فيه بكتاب اللّه تعالى فسموه كسبا ) يشير إلى قوله تعالىلَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ[ البقرة : 286 ] والمراد بأهل الحق هنا الأشاعرة فإنهم الذين سموا ذلك كسبا ، لذلك ضربوا به المثل فقالوا : أدق من كسب الأشعري . وأما الماتريدية ؛ فإنهم استمروا على إطلاقهم بلفظ الاختيار وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في شرح قواعد العقائد ، ( وليس مناقضا للجبر ولا للاختيار ، بل هو جامع بينهما عند من فهمه ) وحاصل ما ذكره في الكسب بعد نقل أقوال تقدم ذكرها في محلها أن للقدرة بالنسبة إلى