تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
بشرط أن لا يفهم من الاختيار إرادة بعد تحير وتردد ، فإن ذلك في حقه محال وجميع الألفاظ المذكورة في اللغات لا يمكن أن تستعمل في حق اللّه تعالى إلا على نوع من الاستعارة والتجوز وذكر ذلك لا يليق بهذا العلم ويطول القول فيه . فإن قلت ؛ فهل تقول ان العلم ولد الإرادة ، والإرادة ولدت القدرة ، والقدرة ولدت
شرح
المقدور تعلقين ، فمعنى الكسب أن يخلق اللّه تعالى في العبد قدرة متعلقة بالفعل تعلقا لا يترتب عليه وجود المقدور ، ومن ههنا قيل : لم يثبت من معنى الكسب غير مقارنة بالقدرة للفعل ، والذي يلوح بالتأمل الصادق أن الانسان إذا فعل فعلا اختيارا فلا محالة يتصوره أولا بوجه ملائم ، وهذا التصور ليس من قبل نفسه عند غير المعبر له على أنه قد يقع ذلك في نفسه من غير توهم اختيار منه ، ثم ينبعث من ذلك التصور شوق إليه فتشتاق نفسه إلى حصوله ، وهذا الشوق أيضا من قبل الفياض لكنه يتفاوت قوة وضعفا حسب تفاوت التفات النفس إلى ذلك المتصور واستحسانه ، فربما يعرض عنه ويتصوره بوجه غير ملائم على وجه ما ، فيضعف شوقه إليه وتقل رغبته فيه وربما يعجبه ذلك الأمر زيادة إعجاب فيديم ملاحظته إياه ذلك الوجه ويكب عليها فيكمل شوقه إليه على حسب ذلك ، فينبعث منه طلب إلى فعله وقصد إلى تحصيله ليترتب منه الفعل عليه ، إما بخلقه تعالى على مجرى عادته أو بتأثير قدرة العبد ، ثم إن تمكن الانسان من الفعل والترك إنما يتوهم من أمرين من هذه الأمور . الأول : الاعراض عن تصور المطلوب على الوجه الملائم والالتفات إلى وجه آخر له وترك ذلك ، وينبغي لمن يقول بكون الانسان قادرا أن يقول بذلك ، إذ ليس فيه ما ينافي استبداد الخالق بخلق الموجودات ، لكن الأظهر أن ذلك أيضا تابع للهيئات المزاجية والعوارض النفسانية الجبلية المكتسبة الخلقية أو غير الخلقية ، كما هو مذهب الحكماء وإمام الحرمين وإن كان له أن يغير تلك الهيئات ويبدلها بتوفيق اللّه تعالى بأن يتأمل في أفعاله وما هو داع إليها من أحواله . والثاني : الطلب المنبعث عن الشوق المسمى بالقصد والإرادة ، فينبغي أن لا يسند ذلك إلى الانسان ولا يجعل متمكنا من تركه مثل الحياء والكسل ترتب سائر العاديات على أسبابها واللّه أعلم . ( وفعل اللّه تعالى يسمى اختيارا بشرط أن لا يفهم من الاختيار إرادة بعد تحير وتردد ، فإن ذلك في حقه محال ) لأنه أحدى الذات واحدى الصفات وأمره واحد وعلمه بنفسه وبالأشياء واحد ، فلا يصح لديه تردد ولا إمكان حكمين مختلفين ، بل لا يمكن غير ما هو المعلوم المراد في نفسه فالاختيار الإلهي إنما هو بين الجبر والاختيار المفهومين للناس ، ( وجميع الألفاظ المذكورة في اللغات لا يمكن أن تستعمل في حق اللّه تعالى إلا على نوع من الاستعارة والتجوّز ) إذا كانت حقائقها توهم ما لا يليق بذاته تعالى ، ( وذكر ذلك لا يليق بهذا العلم ويطول القول فيه ) . ( فإن قلت : فهل تقول إن العلم ولد الإرادة ، والإرادة ولدت القدرة ، والقدرة ولدت
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 73 | مرتضى الزبيدي