تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
شرحا وجيزا يليق بما ذكر متطفلا وتابعا فإن هذا الكتاب لم نقصد به إلا علم المعاملة ، ولكني أقول لفظ الفعل في الإنسان يطلق على ثلاثة أوجه ، إذ يقال : الإنسان يكتب بالأصابع ويتنفس بالرئة والحنجرة ويخرق الماء إذا وقف عليه بجسمه فينسب إليه الخرق في الماء والتنفس والكتابة ، وهذه الثلاثة في حقيقة الاضطرار والجبر واحد ولكنها تختلف وراء ذلك في أمور فاعرب لك عنها بثلاث عبارات ؛ فنسمي خرقه للماء عند وقوعه على وجهه فعلا طبيعيا ، ونسمي تنفسه فعلا إراديا ، ونسمي كتابته فعلا اختياريا ، والجبر ظاهر في الفعل الطبيعي لأنه مهما وقف على وجه الماء أو تخطي من السطح للهواء انخرق الهواء لا محالة فيكون الخرق بعد التخطي ضروريا ، والتنفس في معناه فإن نسبة حركة الحنجرة إلى إرادة التنفس كنسبة انخراق الماء إلى ثقل البدن ، فمهما كان الثقل موجودا وجد الانخراق بعده ، وليس الثقل إليه ، وكذلك الإرادة ليست إليه ، ولذلك لو قصد عين الإنسان بإبرة طبق الأجفان ، اضطرارا ولو أراد أن يتركها مفتوحة لم يقدر مع أن تغميض الأجفان اضطرارا فعل إرادي ، ولكنه إذا تمثل صورة الإبرة في مشاهدته
شرح
فلنشرح الاختيار بلسان المتكلمين شرحا وجيزا يليق بما ذكر متطفلا وتابعا ، فإن هذا الكتاب لم نقصد به إلا ) بيان ( علم المعاملة ) ، ومباحث علم الكلام إنما تذكر فيه على سبيل التبعية ، ( ولكني أقول لفظ الفعل في الانسان ) الذي هو التأثير من جهة مؤثر أعم من أن يكون بايجاده أو تغيره ، وبعلم أو بغيره ، وبقصد أو بغيره ( يطلق على ثلاثة أوجه ، إذ يقال الانسان يكتب بالأصبع ، ويتنفس بالرئة والحنجرة ، ويخرق الماء إذا وقف عليه بجسمه فينسب إليه الخرق في الماء والتنفس والكتابة وهذه الثلاثة في حقيقة الاضطرار والجبر واحد ) فإنه مضطر مجبر في كل منها ، ( ولكنها تختلف وراء ذلك في أمور ، فأعرب لك عنه بثلاث عبارات ، فيسمى خرقه للماء عند وقوعه على وجهه ) أي وجه الماء ( فعلا طبيعيا ) نسب إلى طبيعة الإنسان وهو المزاج المركب من الأخلاط ، ( ويسمى تنفسه في الماء فعلا إراديا ) منسوب إلى الإرادة وهي قوة مركبة من شهوة وحاجة وأمل ، ( ويسمى كتابته فعلا اختيارا والجبر ظاهر في الفعل الطبيعي لأنه مهما وقف على وجه الماء أو تخطى من السطح للهواء انخرق ) كل من الماء والهواء ( لا محالة ، فيكون الخرق بعد التخطي ) والوقوع ( ضروريا ، والتنفس ) من الرئة وإن لم يكن مثله فهو ( في معناه ، فإن نسبة حركة الحنجرة إلى إرادة التنفس كنسبة انخراق الماء إلى ثقل البدن ، فمهما كان الثقل موجودا وجد الانخراق بعده وليس الثقل إليه ، فكذلك الإرادة ليست إليه ، وكذلك لو قصد عين الانسان بإبرة طبق الأجفان ) عليها ( اضطرارا ، ولو أراد أن يتركها مفتوحة لم يقدر مع أن تغميض الأجفان اضطرارا فعل إرادي ، ولكنه إذا تمثل صورة الإبرة في مشاهدته بالإدراك حدثت الإرادة
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 69 | مرتضى الزبيدي