تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا
[ طه : 72 ] فإن البيان والكشف يمنع التغيير . وأما أصحاب السامري لما كان إيمانهم عن النظر إلى ظاهر الثعبان فلما نظروا إلى عجل السامري وسمعوا خواره تغيروا وسمعوا قوله :
هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى
[ طه : 88 ] ونسوا أنه لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا . فكل من آمن بالنظر إلى ثعبان يكفر لا محالة إذا نظر إلى عجل ، لأن كليهما من عالم الشهادة والاختلاف والتضاد في عالم الشهادة كثير . وأما عالم الملكوت فهو من عند اللّه تعالى فلذلك لا نجد فيه اختلافا وتضادا أصلا . فإن قلت : ما ذكرته من التوحيد ظاهر مهما ثبت أن الوسائط والأسباب مسخرات ، وكل ذلك ظاهر إلا في حركات الإنسان فإنه يتحرك إن شاء ويسكن إن شاء ، فكيف يكون مسخرا ؟
شرح
أنت قاضيه أو صانعه أو حاكم به( إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا) أي إنما تصنع ما تهواه أو تحكم بما تراه في هذه الحياة الدنيا ، ( فان البيان والكشف يمنع التغيير ) كما هو شأن عالم الملكوت . ( وأما أصحاب السامري ) وكانوا زهاء خمسمائة ألف ( لما كان إيمانهم عن النظر إلى ظاهر الثعبان ) وهو العصا التي كانت في يمينه أمر بالقائها فإذا هي ثعبان مبين ، فتلقفت ما ألقوا من الحبال والعصي وقد دهنوها بالزئبق ، فلما أحست بحر الشمس تحركت ، ( فلما نظروا إلى عجل السامري ) الذي كان اتخذ من حلى القوم وكانوا استعاروا أحمالا منها من القبط لعيدهم ، ثم لم يردوها مخافة أن يعلم بهم ، وقيل : هي ما ألقاه البحر على الساحل بعد إغراقهم فأخذوه ، وأوهم لهم السامري أن موسى إنما أخلف معكم ميعاده لما معكم من حلى القوم وهو حرام عليكم ، فالرأي أن تحفروا حفيرة وتسجروا فيها نارا ونقذف كل ما معنا فيها ففعلوا فأخرج لهم عجلا جسدا من تلك الحلى المذابة ، ( وسمعوا خواره ) أي صوته وكان قد قبض قبضة من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام فنبذها في جوفه فحمي وظهر له صوت ( تغيروا وسمعوا قولههذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى) وهو من قول السامري قال ذلك أول ما رآه فسمعوه واتبعوه ، ( ونسوا أنه ) أي العجل ( لا يرجع إليهم قولا ) أي كلاما ولا يرد عليهم جوابا ، ( ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ) أي لا يقدر على انفاعهم وإضراهم ، ( وكل من آمن بالنظر إلى ثعبان يكفر لا محالة إذا نظر إلى عجل لأن كليهما من عالم الشهادة والاختلاف والتضاد في عالم الشهادة كثير ، وأما عالم الملكوت فهو من عند اللّه تعالى ، فلذلك لا تجد فيه اختلافا وتضادا أصلا . ( فإن قلت : ما ذكرته من التوحيد ظاهر مما ثبت أن الوسائط والأسباب مسخرات وكل ذلك ظاهر ) لا مرية فيه ( إلا في حركات الانسان ، فإنه يتحرك إن شاء ويسكن إن شاء فكيف يكون مسخرا ) فإن من شأن المسخرات لا يكون له اختيار أصلا ؟