تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
فاعلم أنه لو كان مع هذا يشاء ان أراد أن يشاء ، ولا يشاء ان لم يرد أن يشاء ، لكان هذا مزلة القدم وموقع الغلط ، ولكن علم أنه يفعل ما يشاء إذا شاء أن يشأ أم لم يشأ فليست المشيئة إليه ، إذ لو كانت إليه لافتقرت إلى مشيئة أخرى وتسلسل إلى غير نهاية ، وإذا لم تكن المشيئة إليه فمهما وجدت المشيئة التي تصرف القدرة إلى مقدورها انصرفت القدرة لا محالة ولم يكن لها سبيل إلى المخالفة فالحركة لازمة ضرورة بالقدرة والقدرة متحركة ضرورة عند انجزام المشيئة فالمشيئة تحدث ضرورة في القلب . فهذه ضرورات ترتب بعضها على بعض . وليس للعبد أن يدفع وجود المشيئة ولا انصراف القدرة إلى المقدور بعدها ولا وجود الحركة بعد بعث المشيئة للقدرة ، فهو مضطر في الجميع . فإن قلت : فهذا جبر محض والجبر يناقض الاختيار ، وأنت لا تنكر الاختيار فكيف بكون مجبورا مختارا ؟ فأقول لو انكشف الغطاء لعرفت أنه في عين الاختيار مجبور ، فهو إذا مجبور على الاختيار ، فكيف يفهم هذا من لا يفهم الاختيار ، فلنشرح الاختيار بلسان المتكلمين
شرح
( فاعلم أنه لو كان مع هذا يشاء إن أراد أن يشاء ولا يشاء إن لم يرد أن يشاء لكان هذا مزلة القدم وموقع الغلط ، ولكن علمت أنه يفعل ما يشاء إذا شاء ويشاء شاء أم لم يشأ ، فليست المشيئة إليه ، إذ لو كانت إليه لافتقرت إلى مشيئة أخرى وتسلسل إلى غير نهاية ) والتسلسل باطل ، ( وإذا لم تكن المشيئة ) إليه ( فمهما وجدت المشيئة التي تصرف القدرة إلى مقدورها انصرفت القدرة لا محالة ولم يكن لها سبيل إلى المخالفة فالحركة لازمة ضرورة بالقدرة والقدرة متحركة ضرورة عند انجزام المشيئة والمشيئة تحدث ضرورة في القلب . فهذه ضروريات ترتب بعضها على بعض ، وليس للعبد أن يدفع وجود المشيئة ولا انصراف القدرة إلى المقدور بعدها ولا وجود الحركة بعد بعث المشيئة للقدرة ، فهو مضطر في الجميع ) . ( فإن قلت : فهذا جبر محض ) وهو إسناد فعل العبد إلى اللّه تعالى من غير أن تثبت للعبد قدرة لا مؤثرة ولا كاسبة ، وهو مذهب جهم بن صفوان وأتباعه ، ( والجبر يناقض الاختيار ) وهو طلب ما فيه خير ، ( وأنت لا تنكر الاختيار ، فكيف يكون مجبرا مختارا ) ؟ ( فأقول : لو انكشف الغطاء لعرفت أنه في عين الاختيار مجبر ) لأنه تعالى أجبر الناس على أمور لا انفكاك لهم منها حسبما تقتضيه الحكمة الإلهية لا على ما يتوهمه الغواة كاكراههم على المرض والموت والبعث ، وسخر كلا منهم لحرفة يتعاطاها وطريقة من الأعمال والأخلاق يتحراها ، فإما راض بصنعته لا يبغي عنها حولا ، وإما كاره يكابدها مع كراهته كأنه لا يجد عنها بدلا ، ( فهو إذا مجبر على اختيار ) أي في صورة مخير ، ( فكيف يفهم هذا من لا يفهم الاختيار ،
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 68 | مرتضى الزبيدي