من أبويه أو من أهل بلده . وأما الذي شاهد الطريق وسلكه بنفسه فلا يخاف عليه شيء من ذلك بل لو كشف الغطاء لما ازداد يقينا وإن كان يزداد وضوحا ، كما أن الذي يرى إنسانا في وقت الأسفار لا يزداد يقينا عند طلوع الشمس بأنه إنسان ولكن يزداد وضوحا في تفصيل خلقته وما مثال المكاشفين والمعتقدين إلا كسحرة فرعون مع أصحاب السامري ؛ فإن سحرة فرعون لما كانوا مطلعين على منتهى تأثير السحر لطول مشاهدتهم وتجربتهم رأوا من موسى عليه السلام ، ما جاوز حدود السحر وانكشف لهم حقيقة الأمر فلم يكترثوا بقول فرعون
لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ
[ الأعراف : 124 ] ، بل
قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا
شرح
به العقيدة التي تلقفها من أستاذه أو من أبويه أو من أهل بلده ، وأما الذي شاهد الطريق وسلكه بنفسه فلا يخاف عليه شيء من ذلك ) أي من الاضطراب والنزول وهو الذي هداه اللّه بنور العقل المجرد عن الأمور العادية وشرح صدره ، ( بل لو كشف الغطاء ) عن حقائق الأمور ( لما ازداد يقينا ) فيها عما كان قد ظهر له ، وهذا القول قد نسب إلى علي رضي اللّه عنه : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا . وهذا المقام لا يخص به إلا الآحاد من هذه الأمة ، ( ولكن يزداد وضوحا ) وترقيا ، وهذا ( كما أن الذي يرى إنسانا في وقت الأسفار ) قبل طلوع الشمس ( لا يزداد يقينا عند طلوع الشمس بأنه إنسان ، ولكن يزداد وضوحا في تفصيل خلقته . وما مثال المكاشفين ) المشاهدين الذين انكشف لهم سر الطريق ( والمعتقدين إلا كسحرة فرعون ) الذين كان جمعهم لمقاومة موسى عليه السلام ، وكان أكثرهم من صعيد مصر وكانوا زهاء سبعين ألفا ( مع أصحاب السامري ) منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة ، والسامري : هذا اسمه موسى بن ظفر كان علجا منافقا من كرمان ، وقيل من باجرمي . قال المسعودي : السامرة فرقة من اليهود تخالفهم في أكثر الأحكام وينكرون نبوة داود عليه السلام وما بعد من الأنبياء وقالوا : لا نبي بعد موسى ، وجعلوا رؤساءهم من ولد هارون بن عمران ، ويقولون : لا مساس ، ويزعمون أن نابلس هي بيت المقدس وهم صنفان : الكوشان والدوشان ، ( فإن سحرة فرعون لما كانوا مطلعين على منتهى تأثير السحر لطول مشاهدتهم و ) كثرة ( تجربتهم ، فرأوا من موسى عليه السلام ما جاوز حدود السحر وانكشف لهم حقيقة الأمر ) وتحققوا أنه ليس بسحر ، وإنما هو من آيات اللّه ومعجزة من معجزاته فألقاهم ذلك على وجوههم سجدا للّه توبة عما صنعوا واعتابا وتعظيما لما رأوا ، ( فلم يكترثوا بقول فرعون ) لأنهم لماقالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسىقال فرعون لاآمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ[ طه : 70 ، 71 ] (فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ )وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ[ طه : 71 ] ( بلقالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ )أي لن نختارك( عَلى ما جاءَنا )موسى به( مِنَ الْبَيِّناتِ )المعجزات الواضحات( وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ )أي ما