فإن قلت : فقد انتهى هذا التوحيد إلى أنه يبتني على الإيمان بعالم الملكوت ، فمن لم يفهم ذلك أو يجحده فما طريقه ؟
فأقول : أما الجاحد فلا علاج له إلا أن يقال له : انكارك لعالم الملكوت كإنكار السمنية لعالم الجبروت ، وهم الذين حصروا العلوم في الحواس الخمس ، فأنكروا القدرة والإرادة والعلم لأنها لا تدرك بالحواس الخمس ، فلازموا حضيض عالم الشهادة بالحواس الخمس ، فإن قال : وأنا منهم فإني لا أهتدي إلا إلى عالم الشهادة بالحواس الخمس ولا أعلم شيئا سواه ، فيقال : إنكارك لما شاهدناه مما وراء الحواس الخمس كإنكار السوفسطائية للحواس الخمس ، فإنهم قالوا : ما نراه لا نثق به ، فلعلنا نراه في المنام ، فإن
شرح
غرائب العلم : « اذهب فاحكم ما هنالك » ، وكذلك أعلمك من غرائب العلم ، فأما صفة انصرافه فإنه نهض بالبحث ورجع بالتذكير وفوائد المزيد ، ووجه آخر إن لم يستطع المقام في ذلك الموضع بعد وصوله إليه ، فذلك لتعلق جزء المعرفة بالبدن ومسكنه عالم الملك ولم يفارقه بعد الموت وطول الغيب عنه لا يمكن في العادة ، ولو أمكن لهلك الجسم وتفرقت الأوصال واللّه تعالى أراد عمارة الدنيا قدر ما سبق في علمه ولم تجد لسنة اللّه تبديلا ، ومعنى قول أبي سليمان الداراني : لو وصلوا ما رجعوا ما رجع إلى حالة الانتقاص من وصل إلى حالة الاخلاص ، والذي طمع الناظر في الحصول فيه بسؤاله وتماديه إلى حال القرب منه إذا لم يصلح لذلك ولم يضف له ولم يخلص في أعماله . انتهى لفظ الاملاء ، ولنعد إلى شرح كلام المصنف .
( فان قلت : فقد انتهى هذا التوحيد ) المشار إليه ( إلى أنه ينبني على الايمان بعالم الملكوت ، فمن لا يفهم ذلك أو يجحده فما طريقه ؟ .
فأقول : أما الجاحد فلا علاج له إلا أن يقال : إنكارك لعالم الملكوت كانكار السمنية ) بضم السين المهملة وفتح الميم الخففة ( لعالم الجبروت ) وهم فرقة تعبد الأصنام وتقول بالتناسخ وتنكر حصول العلم بالاخبار ، ( وهم الذين حصروا العلوم في الحواس الخمس ، وأنكروا القدرة والإرادة والعلم لأنها لا تدرك بالحواس الخمس ) قيل : نسبة إلى سومنات بلدة من الهند على غير قياس كما في المصباح ، أو نسبة إلى صنم كانوا يعبدونه اسمه كذلك وسميت البلدة به ، ( ولازموا حضيض عالم الشهادة ) وأنكروا تحقيق الحقائق واتصافها بالوجود في نفس الأمر ، ( فإن قال : وأنا منهم فإني لا أهتدي إلا إلى عالم الشهادة بالحواس الخمس ولا أعلم شيئا سواه . فيقال : إنكارك لما شاهدناه مجاوزا للحواس الخمس كانكار السوفسطائية للحواس الخمس ) وهم طائفة من حكماء اليونان ينكرون حقائق الأشياء ، ويزعمون أنه ليس ههنا ماهيات مختلفة وحقائق متمايزة ، فضلا عن اتصافها بالوجود واثبات بعض إلى بعض على وجوه شتى ، بل كلها أوهام لا أصل لها ، وسوفسطا كلمة يونانية معناها طالب الحكمة ، ( فإنهم قالوا : ما نراه لا نثق به فلعلنا نراه في المنام ) شبه الخيالات الباطلة ، ( فإن قال : أنا منهم ) ومن جملتهم ( فإني