شرح
علم التوحيد الذي وقعت العبارة اللطيفة عنه بقوله :إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَافالمنادى باسمه أزلا وأبدا هو اسم موسى لا اسم السالك ، لأنه الموجود في كلام اللّه تعالى في أزل الآزال قبل أن يخلق موسى ، وكلام اللّه صفة له لا تتغير كما لا يتغير هو وقد زل قوم وعظم افتراؤهم حين حملوا صدور هذا القول عن اعتقاد اكتساب النبوة ، وعياذا باللّه من أن يحتمل هذا القول ما حملوا من المذهب السوء وهم يعرفون أن كثيرا ممن يكون بحضرة ملك من الملوك الدنيوية وهو يخاطب إنسانا آخر قد ولاه ولاية كبيرة ، وفوّض إليه عملا عظيما ، وحباه حباء خطيرا وهو يناديه باسمه ويأمره بما يمتثل من أمره ، ثم إن السامع للملك الحاضر غير المولى لم يشارك المولى والمخلوع عليه والمفوض إليه في شيء مما ولى وأعطى ولم يجب له بسماعه ومشاهدته أكثر من حظوة القربة وشرف الحضور ومنزلة المكاشفة من غير وصول إلى درجة المخاطب بالولاية والمفوض إليه الأمر ، كذلك هذا السلك المذكور إذا وصل في طريقه ذلك بحيث يصل بالمكاشفة والمشاهدة واليقين التام الذي يوجب المعرفة والعلم بتفاصيل العلوم ، فلا يمتنع أن يسمع لغيره ما يوحى من غير أن يقصد هو بذلك ، إذ هو محل سماع الوحي على الدوام وموضع الملائكة وكف بها إنها حضرة الربوبية ، وموسى عليه السلام لم يستحق الرسالة ولا النبوة ولا استوجب التكليم وسماع الوحي مقصودا بذلك بحلوله في هذا المقام الذي هو المرتبة الثالثة فقط ، بل قد استحق ذلك بفضل اللّه تعالى حين خصه بمعنى آخر يربي على ذلك المقام أضعافا يجاوز المرتبة الرابعة ، لأن آخر مقامات الأولياء أول مقامات الأنبياء ، وموسى عليه السلام نبي مرسل فمقامه أعلى بكثير مما نحن آخذون في أطرافه ، لأن هذا المقام الذي هو المرتبة الثالثة ليس من غايات مقام الولاية ، بل هو أول مباديها أقرب منه إلى غاياتها ، فمن لم يفهم درجات المقامات وخصائص النبوات وأحوال الولايات كيف يتعرض للكلام فيها والطعن على أهلها ؟ هذا لا يصلح إلا لمن لا يظن أنه مؤاخذ بكلامه ومحاسب بظنه ويقينه ، مكتوبة عليه خطراته محفوظة عليه لحظاته محصاة منه يقظاته وغفلاتهما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ[ ق : 18 ] .
فإن قلت : أراك قد أوجبت له سماع نداء اللّه تعالى ونداء اللّه كلامه واللّه تعالى يقول :تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ[ البقرة : 253 ] فقد نبه أن تكليم اللّه تعالى لمن كلمه من الرسل إنما هو على سبيل المبالغة في التفضيل ، وهذا لا يصلح أن يكون لغيره ممن ليس بنبي ولا رسول .
فنقول : إذ قيدنا التشعيب وقصدنا درء الشك العارض في مسالك الحقائق ، فنقول ليس في الآية ما يرد ما قلناه ولا يكسره ، فما أوجبنا أن يكلمه قصدا ولا يتحراه بالخطاب عمدا ، وإنما قلنا أن يجوز أن يسمع ما يخاطب اللّه عز وجل غيره ممن هو أعلى منه ، فليس من سمع كلام الإنسان مثلا مما يكلم به غير السامع . يقال : إنه كلمة ، وقد حكى أن طائفة من بني إسرائيل سمعوا كلام اللّه الذي خاطب به موسى عليه السلام حين كلمه ثم إذا ثبتت ذلك لم تجب لهم درجة موسى عليه السلام ولا المشاركة في نبوته ورسالته على أنا نقول : نفس ورود الخطاب إلى السامعين من اللّه