تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
شرح
عز وجل لا يمكن الاختلاف فيه ، فيكون النبي المرسل يسمع كلام اللّه الذاتي القديم بلا حجاب في السمع ولا واسطة بينه وبين القلب ومن دونه يسمعه على غير تلك الصورة مما يلقى في روعه ، وبما ينادي به في سمعه أو سره ، أو أشباه ذلك مما ذكر أن قوم موسى عليه السلام حين سمعوا كلام اللّه تعالى مع موسى أنهم سمعوا صوتا كالناقور وهو القرن ، فإذا صح ذلك فبتباين المقامات اختلف ورود الخطاب ، فموسى عليه السلام سمع كلام اللّه بالحقيقة التي هي صفة بلا كيف ولا صورة نظم بحروف أصوات ، والذين كانوا معه أيضا سمعوا صوتا مخلوقا جعل لهم علامة ودلالة عليه كما تسمى التلاوة ، وهذه الحروف المكتوبة بها القرآن كلام اللّه عز وجل إذ هي دلالة عليه . فإن قلت : فما ينفي على السامع إذا سمع كلام اللّه تعالى يستفيد به معرفة وحدانيته وفقه أمره ونهيه وفهم مراده وحكمه بما يلحقه العلم الضروري ، فما أرى فاته النبي المرسل إلا بأن شغل بإصلاح الخلق دونه ، ولو كان عوضا منه أجزأ عنه وقام مقامه . فاعلم أن هذا الذي أوجب عثورك ودوام زللك وإعراضك عن العلوم بالجهل ، وعلى الحقائق بالمخايل أنت بعيد عن غور المطالب قعيد في شرك المعاطب ، فقيد صوب الصواب عنيد عند صحب الصاحب أن الذي استحق به الناظر السالك الواصل إلى المرتبة الثالثة سماع نداء اللّه تعالى معنى ومقام وحال ، وخاصة أعلى من تلك الأول وأجل وأكبر ، وبينهما ما بين من استحق المواجهة بالخطاب والقصد ، وبين من لا يستحق أكثر من سماعه حين يخاطب به غيره . هذا مع الإشارة باختلاف ورود الخطاب إليهما مما يوجب ويقرر تباين ما بينهما ، فإن فهمت الآن وإلا فدعني لا تدر بحالي . فإن قيل : ألم يقل اللّه تعالى :فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ[ الجن : 26 ، 27 ] وسماع كلام اللّه تعالى بحجاب أو بغير حجاب ، وعلم ما في الملكوت ومشاهدة الملائكة وما غاب عن المشاهدة والحس من أجل الغيوب ، فكيف يطلع عليها من ليس برسول ؟ قلنا : في الكلام تقديم وتأخير وحذف يصح على صحة تقدير الشرع الصادق والمشاهدة الضرورية ، وهو أن يكون معناه إلا من ارتضى من رسول ، ومن اتبع الرسول باخلاص واستقامة أو عمل بما جاء به لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه » وهل ينفي ما غاب عنه أن ينكشف إليه ، وقال : « إن يكن منكم محدثون فعمر » أو كما قال . وقال : « المؤمن ينظر بنور اللّه » وفي القرآن العزيزقالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ[ النمل : 40 ] فعلم ما غاب عن غيره من إمكان إتيان ما وعده به وزاد أنه قدر عليه ولم يكن نبيا ولا رسولا ، وقد نبأ اللّه سبحانه عن ذي القرنين من إخباره عن الغيب وصدقه فيه حين قالفَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا[ الكهف : 98 ] وإن كان وقع الاختلاف في نبوة ذي القرنين فالاجماع على أنه ليس برسول وهو خلاف الشروط في الآية ، وإن أراد أحد المدافعة بالاخبار لما أخبر به ذو القرنين وما ظهر على يد الذي عنده علم من الكتاب وأراد أن يروّجه على غمر لا يفرق بين السنة والحقائق فما يصنع فيما جرى للخضر ، وما أنبأ اللّه