تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
شرح
سبحانه عنه وأظهر عليه من العلوم الغيبية وهو بعد أن يكون نبيا ، فليس برسول على الوفاق من الجميع واللّه تعالى يقولإِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍفدل على أن في الآية حذفا ينضاف معناه إلى ما ظهر من الكلام ، فكان سعد رضي اللّه عنه يرى الملائكة عليهم السلام وهو غيب اللّه ، وأعلم أبو بكر رضي اللّه عنه بما في البطن وهو من غيب اللّه ، وشواهد الشرع كثيرة جدا تعجز العقول وتبهر المعاند ، ويحتمل أن يكون المراد من الآية بالرسول المذكور فيها ملك الوحي الذي بواسطته تنزل العلوم وتنكشف الغيوب ، فمتى لم يرسل اللّه ملكا باعلام غيب إما بخطاب مشافهة أو القاء معنى في روع أو ضرب مثل في يقظة أو منام لم يكن إلى علم الغيب سبيل ، ويكون تقدير الآيةفَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍأن يرسله إلى من يشاء من عباده في يقظة أو منام ، فإنه يطلع على ذلك أيضا وتكون فائدة الاخبار بهذا في الآية الامتنان على من رزقه اللّه تعالى علم شيء من مكنوناته وإعلامه أنه لم يصل إليها بنفسه لا بمخلوق سواه إلا باللّه عز وجل حين أرسل إليه الملك بذلك وبعثه إليه حتى يبرأ المؤمن من حوله ومن قوته ويرجع إلى اللّه سبحانه وحده ، ويتحقق أنه لا يرد عليه شيء من علم أو معرفة أو غير ذلك إلا بإرادته ومشيئته ، ويحتمل وجها آخر ، وهو أن يكون واللّه أعلم إلا من ارتضى من رسول يريد من سائر خلقه وأصناف عباده ، ويكون معنى من رسول على يد رسول من الملائكة . فصل ومعنى ولا تتخطى رقاب الصديقين ، وما الذي أوصله إلى مقامهم أو جاوز به ذلك ، وهو في المرتبة الثالثة حال المقربين ، فاعلم أنه ما وصل حيث ظننت فكيف يجاوزه وإنما خاصة من في مرتبة الصديقية عدم السؤال لكثرة التحقيق بالأحوال وخاصة من هو مرتبه القرب كثرة السؤال طمعا في بلوغ الآمال وأمثالهما فيما أشير إليه مثال إنسانين دخلا في بستان وأحدهما يعرف جميع أنواع نبات البستان ويتحقق أنواع تلك الثمار ويعلم أسماءها ومنافعها فهو لا يسأل عن شيء يراه ولا يحتاج إلى أن يخبر به ، والثاني لا يعرف مما رأى شيئا أو يعرف بعضها ويجهل أكثر مما يعرف فهو يسأل ليصل إلى علم الباقي ، وكذلك من تكلمنا عليه حين أكثر السؤال عساه يتجاوز سؤاله حاله ويتخلف مقامه إلى ما هو أعلى منه وكان غير مراد لذلك ، إما في ذلك الوقت أو أبد الأبد ، وتلك العلوم لا تنال بالكسب وإنما تنال بالمنح الإلهية فقيل له : لا تتخطى رقاب الصديقين بالسؤال ، فذلك مما لا يخطى به وليس هو من الطرق الموصلة إلى مقامهم ، فارجع إلى الصديق الأكبر فاقتد به في أحواله وسيرته ، فعساك ترزق مقامه ، فإن لم يكن فتبقى على حال القرب وهو تلو الصديقية هذا معناه . فصل ومعنى انصراف السالك الناظر بعد وصوله إلى الرفيق الأعلى أنه لما وصل إليه بالسؤال صرف إلى ما لاق به من الأحوال ليحكم ما بقي عليه من الأعمال ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلم للذي سأله أن يعلمه من
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 62 | مرتضى الزبيدي