تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
شرح
بالعوالم إلى عالم الملك وهو الظاهر المحسوس ، وإلى عالم الملكوت وهو الباطن في العقول ، وإلى عالم الجبروت وهو المتوسط الذي أخذ بطرف من كل عالم منها ، وهو الإنسان انقسم إلى ما يشابه هذه القسمة ، فالمشابه لعالم الملك الأجزاء المحسوسة وقد علمتها ، والمشابه لعالم الملكوت فمثل الروح والعقل والقدرة والإرادة وأشباه ذلك . والمشابه لعالم الجبروت كالإدراكات بالحواس والقوى الموجودة بأجزاء البدن وقسمة أخرى ، وذلك أن العالم انحل إلى ما علم من أجزائه بالإستقراء ، فرأس الإنسان سماء العالم من حيث أن كل ما علا فهو سماه ، وحواسه تشابه حواس الكواكب والنجوم من حيث أن الكواكب أجسام مشفة تستمد من نور الشمس فتضيء لها ، والحواس أجسام لطيفة تستمد من رواح فتضيء بذلك المدركات ، وروح الإنسان مشابهة للشمس فيضيء العالم وهو نباته وحركة حيوانه وحياته فيما يظهر بتلك الشمس ، وكذلك روح الإنسان به حصل في الظاهر عن أجزاء بدنه ونبات شعره وخلق حيوانه وجعلت الشمس وسط العالم تطلع بالنهار وتغرب بالليل وجعلت الروح وسط العالم وهي تغرب بالنوم وتطلع باليقظة ، ونفس الإنسان تشابه القمر من حيث أن القمر يستمد من الشمس ونفسه تستمد من الروح ، والقمر خالف الشمس والروح خالف النفس والقمر آية ممحوّة والنفس مثلها ، ومحو القمر في أن لا يكون ضياؤه منه ، ومحو النفس في أن لا يكون عقلها منها ، ويعتري الشمس والقمر وسائر الكواكب كسوف ، ويعتري النفس والروح وسائر الحواس غيب وذهول ، وفي العالم نبات ومياه ورياح وجبال وحيوان ، وفي الإنسان نبات وهو الشعر ومياه وهي العروق والدموع والريق والدم ، وفيه جبال وهي العظام وحيوان وهي هوام الجسم ، فحصلت المشابهة على كل حال . ولما كانت أجزاء العالم كثيرة ومنها ما هي لنا غير معروفة ولا معلومة كان في جميعها تطويل ، وفيما ذكرنا يحصل به لذوي العقول تنبيه . فهذا آخر الكلام في أخذ وجهي الإضافة الذي في ضمير صورته . والوجه الآخر هو أن من حمل الإضافة إلى اللّه تعالى على معنى التخصيص به ، فذلك لأن اللّه عز وجل أنبأنا بأنه حي قادر سميع بصير عالم مريد متكلم فاعل ، وخلق آدم عليه السلام حيا قادرا سميعا بصيرا عالما مريدا متكلما فاعلا ، وكانت لآدم عليه السلام صورة محسوسة مكوّنة مخلوقة مقدرة بالفعل وهي للّه سبحانه وتعالى مضافة باللفظ ، وذلك أن هذه الأسماء لم تجتمع مع صفات آدم إلا في الأسماء التي هي عبارة بلفظ فقط لا يفهم من ذلك نفي الصفات ، فليس هو مرادنا ، وانما مرادنا تباين ما بين الصورتين بأبعد وجوه الإمكان حتى لم تجتمع مع صفات اللّه عز وجل وتطلق عليها حالة الوجود ، فافهم هذا فإنه من أدق ما يقرع سمعك ويلج قلبك ويبهر عقلك ، ولهذا قيل لك : فإن كنت تعتقد الصورة الظاهرة ومعناه أن حملت إحدى الصورتين على الأخرى في الوجود تكن مشبها مطلقا ومعناه لتتيقن أنك من المشبهين لا من المنزهين ، فقرّ على نفسك بالتشبيه معتقدا ولا تنكره كما قيل : كن يهوديا وإلا فلا تلعب بالتوراة أي تتلبس بدينهم وتريد أن لا تنتسب إليهم وتعتكف على قراءة التوراة ولا تعمل بها ، وإن كنت لا تعتقد الصورة فكن منزها فحلا مقدسا مخلصا أي ليس تعتقد من الصورة المضافة إلى اللّه تعالى إلا الأسماء دون