تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 600

مساهمون:

ص٦٠٠
شرح
وهو أن يكون عملك بالرضا ورضاك بالقضاء . وقال رويم الرضا ان لو جعل اللّه جهنم عن يمينه ما سأل ان يحوّلها إلى يساره . وقال الواسطي : استعمل الرضا جهدك ولا تدع الرضا يستعملك فتكون محجوبا بلذته ورؤيته عن حقيقة ما تطالع . أي لأن السكون عندهم إلى الأحوال حجاب عن محوّل الأحوال ، فإذا استلذ رضاه وجد بقلبه راحة الرضا فحجب بحاله عن شهود حقه ، ولقد قال الواسطي أيضا : إياكم واستحلاء الطاعات فإنها سموم قاتلة . وقيل قال الشبلي بين يدي الجنيد : لا حول ولا قوّة إلا باللّه . قال الجنيد : قولك ضيق صدر وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء . وقال أبو سليمان الرضا أن لا تسأل اللّه الجنة ولا تستعيذ به من النار . وقال ذو النون : ثلاثة من أعلام الرضا : ترك الاختيار قبل القضاء ، وفقدان المرارة بعد القضاء ، وهيجان الحب في حشو البلاء . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن جعفر البغدادي يقول : سمعت إسماعيل بن محمد الصفار يقول : سمعت محمد بن يزيد المبرد يقول ، قيل للحسين بن علي بن أبي طالب : إن أبا ذر يقول : الفقر أحب إليّ من الغنى ، والسقم أحب إلي من الصحة . فقال : رحم اللّه أبا ذر أما أنا فأقول : من اتكل على حسن اختيار اللّه له لم يتمن غير ما اختار اللّه له . وقال أبو عمر الدمشقي : الرضا ارتفاع الجزع في أي حكم . وقال ابن عطاء : الرضا نظر القلب إلى قديم اختيار اللّه للعبد وهو ترك السخط . وقال رويم : الرضا استقبال الاحكام بالفرح . وقال المحاسبي : الرضا سكون القلب تحت مجاري الاحكام . وقال النوري : الرضا سرور القلب بمر القضاء . وقال الجريري : من رضي بدون قدره رفعه اللّه فوق غايته . وقال أبو تراب النخشبي : ليس ينال الرضا من للدنيا في قلبه مقدار ، وقال أبو عثمان الحيري : منذ أربعين سنة ما أقامني اللّه في حال فكرهته وما نقلني إلى غيره فسخطته ا ه ما قاله القشيري في الرسالة . ومما نقلته من كتاب قوت القلوب قال : الرضا هو حال الموفق واليقين هو حقيقة الإيمان ، وإلى هذا ندب النبي صلّى اللّه عليه وسلم ابن عباس في وصيته له فقال : « اعمل للّه باليقين في الرضا فإن لم يكن فإن في الصبر خيرا كثيرا فرفعه إلى أعلى المقامات ثم رده إلى أوسطها » كذلك قال لابن عمر « اعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » ندبه إلى المشاهدة وهو الاحسان ، ثم رده إلى الصبر والمجاهدة وهو الإيمان ، وهو مكان العلم بان اللّه تعالى يراه وليس بعد هذا مكان يوصف . وكان سهل يقول : أعرف في الموتى مقبرة عظيمة ينظرون إلى منازلهم من الجنان في قبورهم ويغدى عليهم ويراح برزقهم من الجنة وهم في هموم وكروب في البرزخ ، لو قسمت على أهل البصرة لماتوا جميعا قيل : وما كانت أعمالهم ؟ قال : كانوا مسلمين إلا أنه لم يكن لهم من التوكل ولا من الرضا نصيب . وقال لقمان في وصيته : ومن يفوّض أمره ويرضى بقدر اللّه فقد أقام الإيمان وفرغ يديه ورجليه لكسب الخير ، وأقام الاخلاق الصالحة التي تصلح للعبد أمره ، فمن الرضا سرور القلب بالمقدور في جميع الأمور ، وطيب النفس سكونها في كل حال ، وطمأنينة القلب عند كل مفزع من أمور الدنيا ، وقناعة العبد بكل شيء من اغتباطه بمقامه من ربه وفرحه بقيام اللّه مولاه عليه ، واستسلام الفعل للمولى في كل ورضاه منه بأدنى شيء ، وتسليمه له الأحكام والقضايا باعتقاد حسن التدبير وكمال
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 600 | مرتضى الزبيدي