تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 602

مساهمون:

ص٦٠٢
شرح
رعيته سنين فشكوا ذلك إليه فخرج بهم إلى الصحراء فرفع رأسه إلى السماء وقال : يا ساكن السماء لتسقينا الغيث أو لنؤذيك ، فقال له وزراؤه : كيف تؤذيه وهو في السماء وأنت في الأرض ؟ فقال : اقتل أولياءه من أهل الأرض فيكون ذلك أذى له ، فأرسل اللّه تعالى عليهم السماء بكرمه وجوده . ومن حسن الأدب والمعاملة إذا عملت صالحا فقل أنت استعملتني وبحولك وقوتك وحسن توفيقك أطعتك لأن جوارحي جنودك . وإذا عملت سيئا فقلت ظلمت نفسي وبهواي وشهوتي اجترحت بجوارحي وهي صفاتي ، ثم تعتقد في ذلك أنه بقدره ومشيئته كان ما قضى ، فتكون بالمعنيين قد وافقت مرضاة مولاك وتكون في الحالين عاملا ترضيه بالقول والعقود ، وينتفي عنك العجب في أعمال برك ويصح منك المقت لنفسك واعترافك بظنك ، وقد تغلب هذه المشاهدة على الجاهل فإذا عمل حسنا شهد نفسه ونظر إلى حوله وقوته ، فإذا عمل سيئا لم يعترف بالذنب ولم يقر على نفسه بالظلم فلم تصح له توبة ولم يرض له عمل . نعوذ باللّه من مشاهدة الضلال هذا ما أورده في باب الرضا . وقال في أحكام المحبة ووصف أهلها إعلم أن المحبة من اللّه لعبده ليست كمحبة الخلق تكون حادثة لأحد سبع معان : الطبع أو لحسن أو لنفع أو لوصف أو لهوى أو لرحم ماسه أو ليقرب ذلك إلى اللّه تعالى ، فهذه حدود الشيء الذي شبهه الشيء ، واللّه تعالى عن جميع ذلك لا يوصف بشيء منه إذ ليس كمثله شيء في كل شيء ، ولأن هذه أسباب محدثة في الخلق لمعان حادثة ومتولدة من المحبين لأسباب عليهم داخلة وقد تتغير لتغير الأوقات وتنقلب لانقلاب الأوصاف ، ومحبة اللّه تعالى سابقة للأسباب عن كلمة الحسنى قديمة قبل الحادثات عن عناية العلياء لا تتغير أبدا ولا تنقلب لأجل ما بدا لقوله تعالىإِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى[ الأنبياء : 101 ] يعني الكلمة الحسنى وقيل : المنزلة الحسنى فلا يجوز أن يسبقها سبق منهم بل سبقت كل سابقة بقول كقوله تعالىوَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ[ الأنبياء : 51 ] وقال لهمقَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ[ يونس : 2 ] وقال في الآخرةفِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ[ القمر : 55 ] ولا يصلح أن يكون قبل قدمه الصدق منهم قدم ، كما لا يصلح أن يكون قبل علمه به منهم علم لأن علمه سبق العلوم ومحبته لأوليائه سبقت محبتهم إياه ومعاملتهم له ثم ينتهي مع ذلك خاصية حكم من أحكامه مزيد من فضل أقسامه خالصة لمخلصين ومؤثرة لمؤثرين بقدم صدق سابق لخالصين يؤول إلى مقعد صدق عند صادق للسالكين ، ليس لذلك سبب معقول ولا لأجل عمل معمول ، بل يجري مجرى سر القدر ولطف القادر وإفشاء سر القدر كفر ، فلا يعلمه إلا نبي أو صديق ، ولا يطلع عليه من يظهر ، وما ظهر في الأخبار من الأسباب فإنما هو طريق الأحباب ومقامات أهل القرب من أولي الألباب ، وإنما هي تبصرة وذكرى للمنيبين وتزود وبلاغ للعابدين ، وإنما تستبين المحبة وتظهر للعبد بحسن توفيقه وكلاءة عصمته ولطائف تعليمه من غرائب علمه وخفايا لطفه ، وفي سرعة ردهم إليه في كل شيء ووقوفهم عنده ونظرهم إليه دون كل شيء
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 602 | مرتضى الزبيدي