شرح
وكثرة استعمالهم بحسن مرضاته ، وكشف اطلاعهم على معاني صفاته ، ولطيف تعريفه لهم مكنون أسراره ، وفتوحه لأفكارهم عن بواطن أنعامه ، واستخراجه منهم خالص شكره ، وحقيقة ذكره من عين اليقين ، فهذه طرقات المحبين له عن تشوق اطلاعه لهم ، فالمحبة مزيد إيثار من المحب الأول وهو سبحانه لعبده وأحكام تظهر من المحبوب ، وهو العبد في حسن معاملته أو حقيقة علم يهب له ، كما قال أخوة يوسف حين عرفوا محبة اللّه عليهم :تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْناثم قالواوَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ[ يوسف : 91 ] فذكروا سالف خطاياهم وأنه آثره بما لم يؤثرهم . وقال اللّه تعالى في موهبته لهآتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ[ يوسف : 22 ] فذكر ما سلف من إحسانه لما آثره ، وذكر بعض من ينتمي إلى المحبة مقامه في المحبة عند بعض المحبين فقال له : أرأيت هذا الذي تذكر محبته اهتممت بسواه ؟ قال : نعم . قال : فهل رأيته في ليلة مرتين وثلاثا ؟ قال : لا .
قال : لولا أني أستحيي لأخبرتك أن محبتك معلومة تهتم بسوى حبيبك ولا تراه في نومك .
قال : لكن أعرف من لا يدعي محبته وعلى ذلك ما أهتم بسواه منذ عرفه ، وربما رآه ليلة سبع مرات ، وإنما لم يهتم المحب بسواه من قبل إنه لا ينساه ، فكيف يذكره من لا ينساه ، بل هو مذكور بذاكر لا ذاكر بتذكير أو تذكر ، وههنا افتضح المدعون وانكشف المستورون إن اهتم بغيره فقد نسيه والحبيب لا ينسى لأنه لازم للهم مستشعر بالقلب ملاحظ في العين هو الناظر والمنظور وهو السامع والمسموع وهو الشاهد والمشهود وهو الواجد والموجود ، كما قال بعض المحبين :ليس في القلب والعيان جميعا * موضع فارغ لغير الحبيب
وهو سقمي وصحتي وشفائي * وبه العيش ما حييت يطيبفمن كان هذا وصفه من العين والقلب والروح ، فمحال أن ينسي . ومن استحال أن ينسى فكيف يحول ذكره عن القلب ، أم كيف يحول بغيره الهم ؟ كيف وقد روينا في الخبر : المنافق لا يذكر حتى يذكر ، وإذا ترك نسي ولا تكونوا كاليهود إذا قرأت عليهم التوراة مادوا لها فإذا رفعت لم يكن وراء ذلك شيء انته ما في القوت .