شرح
وقيل ، قالت رابعة في مناجاتها : إليه تحرق بالنار قلبا يحبك . فهتف بها هاتف ما كنا نفعل هكذا . فلا تظني بنا ظن السوء . وقيل : الحب حرفان حاء وباء ، فالإشارة فيه أن من أحب فليخرج عن روحه وبدنه وبالاجماع من اطلاقات القوم أن المحبة هي الموافقة وأشد الموافقات الموافقة بالقلب والمحبة توجب انتفاء المباينة ، فإن المحب أبدا مع محبوبه .
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت عبد اللّه الرازي يقول : سمعت أبا عثمان الحيري يقول : سمعت أبا حفص يقول : أكثر فساد الأحوال من ثلاثة أشياء : فسق العارفين وخيانة المحبين وكذب المريدين . قال أبو عثمان : فسق العارفين إطلاق الطرف واللسان والسمع إلى أسباب الدنيا ومنافعها ، وخيانة المحبين اختيار هواهم على رضا اللّه تعالى فيما يستقبلهم ، وكذب المريدين أن يكون ذكر الخلق ورؤيتهم يغلب عليهم على ذكر اللّه تعالى ورؤيته . هذا ما أورده في باب المحبة .
وقال في باب الشوق : سمعت الأستاذ أبا علي يفرق بين الشوق والاشتياق ويقول : الشوق يسكن باللقاء والرؤية ، والاشتياق لا يزول باللقاء وفي معناه أنشدوا :ما يرجع الطرف عنه عند رؤيته * حتى يعود إليه الطرف مشتاقاسمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت النصرباذي يقول : للخلق كلهم مقام الشوق وليس لهم مقام الاشتياق ، ومن دخل في حال الاشتياق هام فيه حتى لا يرى له أثر ولا قرار .
وقيل : جاء أحمد الأسود إلى ابن المبارك فقال : رأيت في المنام كأنك تموت إلى سنة فاستعد للخروج ، فقال ابن المبارك : لقد أحلتنا على أمد بعيد أعيش أنا إلى سنة لقد كان لي أنس بهذا البيت الذي سمعته من هذا الثقفي - يعني أبا علي رحمه اللّه تعالى - :يا من شكا شوقه من طول فرقته * اصبر لعلك تلقى من تحب غداوقال يحيى بن معاذ : علامة الشوق فطام الجوارح من الشهوات . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : خرج داود عليه السلام يوما إلى بعض الصحاري منفردا ، فأوحى اللّه إليه : ما لي أراك وحدانيا ؟ فقال : استأثر الشوق إلى لقائك على قلبي فحال بيني وبين صحبة الخلق ، فأوحى اللّه إليه : ارجع إليهم فإنك إن أتيتني بعبد آبق أثبتك في اللوح المحفوظ جهبذا .
وقيل : كانت عجوز قدم بعض أقاربها من السفر وأظهر قومها السرور والعجوز تبكي فقيل لها . وما يبكيك ؟ قالت : ذكرني قدوم هذا الفتى يوم القدوم على اللّه عز وجل . وسئل ابن عطاء عن الشوق فقال : احتراق الأحشاء وتلهب القلوب وتقطع الأكباد . وسئل أيضا الشوق أعلى أم المحبة ؟ فقال : المحبة لأن الشوق منها يتولد . وقال بعضهم : للشوق لهيب ينشأ بين أثناء الحشاء يسنح على الفرقة فإذا وقع اللقاء طفئ ، وإذا كان الغالب على الأسرار مشاهدة المحبوب لم يطرقها الشوق . وقال فارس : قلوب المشتاقين منوّرة بنور اللّه فإذا تحرك اشتياقهم أضاء النور ما بين السماء والأرض فيعرضهم اللّه تعالى على الملائكة فيقول : هؤلاء المشتاقون إلي أشهدكم أني إليهم أشوق .