إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 6
استنطقوا . ونحن الآن نبدأ بذكر فضيلة التوكل على سبيل التقدمة . ثم نردفه بالتوحيد في الشطر الأوّل من الكتاب ، ونذكر حال التوكل وعمله في الشطر الثاني . بيان فضيلة التوكل : أما من الآيات : فقد قال تعالى : وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ المائدة : ( عما شاهدوه ) ببصيرتهم ( من حيث استنطقوا ) أي طلبوا لبيانه ، ( ونحن الآن نبتدئ بذكر فضيلة التوكل على سبيل التقدمة ) والتوطئة . ( ثم نردفه بالتوحيد في الشطر الأوّل من الكتاب ، ونذكر حال التوكل وعمله في الشطر الثاني ) منه بعون اللّه تعالى وحسن توفيقه . [ بيان فضيلة التوكل ] بيان فضيلة التوكل ولواحقه التفويض والتسليم والثقة والرضا : ( أما من الآيات ) القرآنية ، ( فقد قال اللّه تعالى : وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) فمع شرفه قد أوجبه على سائر المؤمنين ، لأن الايمان يوجب على المؤمن مدلوله ، ومدلولات الإيمان هي الناشئة عن نفس الإيمان بحسب الملاحظات ، فمن لاحظ عن زيد أنه قائم بالأمر عوّل عليه واعتمد على كفايته ، وإن لاحظ مع كونه قائما بالأمر أنه حكيم في علمه وأفعاله فيما يقدم ويؤخر وفيما يرفع ويخفض سلم الأمر إليه واستسلم لحكمه ، لأن التفويض معناه ترك اختيار العبد لحسن اختيار اللّه له . والاستسلام هو انقياد العبد وإذ عانه لما اختاره اللّه وله وبما حكم به عليه من الأمر والنهي وملازمة الحدود التي حدّها له ، وإن لاحظ مع ذلك كمال صدقه ووفاء وعده وثق به لأن الثقة نتيجة التصديق ومعناه الربط على القلب وعدم الانفصام على ما حواه من التصديقات ، فالثقة إذا على هذا مكملة لجميع المقامات والأحوال ، ولهذا قال أبو إسماعيل الهروي : الثقة سواد عين التوكل ، ونقطة دائرة التفويض ، وسويداء قلب التسليم ، وإن لاحظ بعد ذلك ألوهيته مال إليه بوجهه وانصرف إليه بكليته ، وإن لاحظ المعنى الجامع لصفات ألوهيته هو المعبر عنه بقولك ( اللّه ) حصل الدهش والتحير ، فهكذا ينبغي أن يفهم ملاحظة مدلولات الإيمان . وقال صاحب القوت . وقد أمر اللّه بالتوكل وقرنه بالإيمان ليدل بذلك انهما شيئان إذ التوكل على الوكيل هو من الإيمان بالمؤمن ، لأنه عن حقيقة الإيمان وهو اليقين وبمشاهدة الوكيل وهو الحسب الحسيب ونعم الوكيل ، فأمر بالتوكل قولا وفعلا بعد الإخبار عن محبته للمتوكل عليه ، فقال تعالى : قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا [ الملك : 29 ] مع اشتراط التوكل للإيمان بعد الامر به في قوله تعالى : وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وفي قوله : إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ [ يونس : 84 ] فلم يخرج عموم المسلمين من شرط عموم المتوكل ، كما لم يخرج خصوص المؤمنين من شرط وجود الإسلام ، وكما كل مؤمن حقا مسلم لا بدّ عملا ، كذلك كل مسلم صدقا يكون على اللّه متوكلا ، فقد صار المتوكل من عباد الرحمن الذين أضافهم إلى وصف الرحمة ، ومن عباد التخصيص الذين ضمن لهم الكفاية وهم الذين وصفهم في الكتاب