تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 5

مساهمون:

ص٥
والصلاة على محمد قاطع الأباطيل ، الهادي إلى سواء السبيل ، وعلى آله وسلم تسليما كثيرا . أما بعد : فإن التوكل منزل من منازل الدين ومقام من مقامات الموقنين ، بل هو من معالي درجات المقربين وهو في نفسه غامض من حيث العلم ، ثم هو شاق من حيث العمل ووجه غموضه من حيث الفهم أن ملاحظة الأسباب والاعتماد عليها شرك في التوحيد ، والتثاقل عنها بالكلية طعن في السنة وقدح في الشرع ، والاعتماد على الأسباب من غير أن ترى أسبابا تغبير في وجه العقل ، وإنغماس في غمرة الجهل ، وتحقيق معنى التوكل على وجه يتوافق فيه مقتضى التوحيد والعقل والشرع في غاية الغموض والعسر ، ولا يقوى على كشف هذا الغطاء مع شدة الخفاء إلا سماسرة العلماء الذين اكتحلوا من فضل اللّه تعالى بأنوار الحقائق فأبصروا وتحققوا ثم نطقوا بالإعراب عما شاهدوه من حيث
شرح
عليه ) في سائر الأمور ولم يخشوا أحدا سواه ، كما قال تعالى في شأنهمفَزادَهُمْ إِيماناً ( وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [ آل عمران : 173 ] فانقلبوا بنعمة من اللّه وفضل لم يمسسهم سوء ، ( والصلاة على ) سيدنا ( محمد قاطع ) خبيثات ( الأباطيل ) بسيف الحق . والأباطيل : جمع باطل وهو كل ما يضاد الحق ، ( الهادي ) أي المرشد ( إلى سواء السبيل ) وهو سبيل التوحيد التوكل ( وعلى آله ) وصحبه ( وسلم تسليما كثيرا ) وفي بعض النسخ : وعلى آله وأصحابه دون قوله وسلم تسليما كثيرا وفي الجمل المذكورة من أول الخطبة إلى آخرها براعة الاستهلال مما لا يخفى على الممارس المتأمل لما تضمنه هذا الكتاب . ( أما بعد : فإن التوكل منزل ) منيف ( من منازل الدين ومقام ) شريف ( من مقامات الموقنين ) وهو السابع من مقامات اليقين على النسق الذي أورده صاحب القوت ، ( بل هو من معالى درجات المقربين ) ولفظ القوت : من أعلى مقامات اليقين وأشرف أحوال المقربين ، ( وهو في نفسه غامض من حيث العلم ) ولغموضه اختلفت أقوال المشايخ في حدّه ، ( ثم هو شاق من حيث العمل ) به ( ووجه غموضه من حيث الفهم أن ملاحظة الأسباب والاعتماد عليها ) بعد ملاحظتها ( شرك في التوحيد ) عند أهله ، ( والتثاقل ) وفي نسخة التباعد ( عنها ) أي عن الأسباب ( بالكلية طعن في السنّة وقدح في الشرع ) فإن غالب المأمورات الشرعية مبناها على الأسباب ، ( والاعتماد على الأسباب من غير أن ترى أسبابا تغيير في وجه العقل ) فإن العاقل كيف يعتمد على شيء وهو لا يرى به ، ( وانغماس في غمرة الجهل ) والغمرة معظم الماء ، ( وتحقيق معنى التوكل على وجه يتوافق فيه مقتضى التوحيد والعقل والشرع في غاية الغموض ) أي الخفاء ( والعسر ) أي الشدة ، ( ولا يقوى على كشف هذا الغطاء ) أي رفع هذا الحجاب ( مع شدة الخفاء إلا سماسرة العلماء ) أي الجهابذة النقاد ( الذين اكتحلوا من فضل اللّه تعالى بأنوار الحقائق فأبصروا وتحققوا ثم نطقوا بالإعراب ) أي الاظهار والافصاح