بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه مدبر الملك والملكوت ، المنفرد بالعزة والجبروت . الرافع للسماء بغير عماد ، المقدر فيها أرزاق العباد ، الذي صرف أعين ذوي القلوب والألباب ، عن ملاحظة الوسائط والأسباب إلى مسبب الأسباب ، ورفع هممهم عن الالتفات إلى ما عداه والاعتماد على مدبر سواه ، فلم يعبدوا إلا إياه علما بأنه الواحد الفرد الصمد الإله وتحقيقا بأن جميع أصناف الخلق عباد أمثالهم لا يبتغي عندهم الرزق ، وأنه ما من ذرة إلا إلى اللّه خلقها ، وما من دابة إلا على اللّه رزقها ، فلما تحققوا أنه لرزق عباده ضامن وبه كفيل توكلوا عليه فقالوا :
حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
شرح
قال المصنف رحمه اللّه تعالى : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) معين كل موحد متوكل ذي قلب سليم .
( الحمد للّه المدبر للملك ) وهو عالم الشهادة من المحسوسات الطبيعية ( والملكوت ) وهو عالم الغيب المختص بأرواح النفس ، ( المنفرد بالعزة ) وهي الغلبة الآتية على كلية الظاهر والباطن ( والجبروت ) وهو عالم الأسماء والصفات الإلهية ، ( الرافع للسماء بغير عماد ) تعتمد عليه ( المقدر فيها أرزاق العباد ) وأقواتهم الحسية والمعنوية يشير بذلك إلى قوله تعالى :وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ[ الذاريات : 22 ] ( الذي صرف أعين ذوي القلوب والألباب ) المشاهدين بأنوار الغيوب حقائق الأمور ( عن ملاحظة الوسائط والأسباب ) الجلية والخفية ( إلى مسبب الأسباب ) وأصل السبب ما يتوصل به إلى الاستعلاء ، ثم استعير لكل شيء يتوصل ما إلى أمر من الأمور ، فقيل : هذا سبب هذا وهذا مسبب على هذا ، ( ورفع هممهم عن الالتفات إلى ما عداه و ) عن ( الاعتماد على مدبر سواه فلم يعبدوا إلّا إياه ) كل ذلك لكمال توحيدهم ومزيد توكلهم كما بينه المصنف بقوله : ( علما ) منهم يقينيا ( بأنه ) تعالى ( الواحد ) فلا يصح عليه التجزئ ولا التكثر ولا بينه وبين غيره نسبة بوجه ( الفرد ) فلا يختلط به غيره ( الصمد ) الذي يصمد إليه في الأمور ويعتمد عليه ( الإله ) جل وتقدس عن الأشباه ( وتحققا ) منهم ( بأن ) جميع ( أصناف الخلق ) أحمرها وأسودها ( عباد أمثالهم لا يبتغي ) أي لا يتطلب ( عندهم الرزق ) كما أخبر به سبحانه في كتابه وهو الحق في آيتين الأولى : قوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ[ الأعراف : 194 ] والثانية قوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ[ العنكبوت : 17 ] ( وأنه ما من ذرة ) من ذرات الوجود ( إلّا إلى اللّه خلقها ) أي ابداعها وتقديرها كما تعالى تعالى :( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها) [ هود : 6 ] ويعلم مستقرها ومستودعها ، ( فلما تحققوا أنه لرزق عباده ضامن ) أي ملتزم باعطائه إياهم ( وبه كفيل ) محيط بجميع جهاته ( توكلوا