شرح
جنسه لم يكد يبصر منه إلا ما يستحسنه ويزيد إعجابا ولا يصدق من خير المخبرين عنه إلا ما يتخذه سببا للولوع به والعلو في محبته . وعن عبد اللّه بن إبراهيم القرشي عن أبيه قال : لما نزل بالعباس بن عبد المطلب الموت قال لابنه : يا عبد اللّه إني موصيك بحب اللّه عز وجل وحب طاعته وخوف اللّه وخوف معصيته ، فإنك إذا كنت كذلك لم تكره الموت متى أتاك ، وإني مستوصيك اللّه يا بني ثم استقبل القبلة فقال : لا إله إلا اللّه ثم شخص ببصره ومات . وعن مالك بن دينار قال : أوحى اللّه عز وجل إلى بني إسرائيل إني لا أقبل قولكم ولكن أقبل هممك وهواكم . من كان همه وهواه في محبتي كان صمته عندي تقديسا وتسبيحا ووقارا . وعن محمد بن سعيد الخوارزمي قال : سمعت ذا النون وسئل عن المحبة . قال : أن تحب ما أحب اللّه وتبغض ما أبغض اللّه وتفعل الخير للّه وترفض كل ما شغلك عن اللّه ، وأن لا تخاف في اللّه لومة لائم ، مع العطف للمؤمنين على الكافرين واتباع سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في الدين . وعن أبي يزيد حين سئل عن علامة من يحب اللّه عز وجل ، وعلامة من يحبه اللّه عز وجل ؟ فقال : من يحب اللّه فهو مشغول بعبادته ساجدا أو راكعا فإن عجز عن ذلك استروح إلى ذكر اللسان والثناء ، فإن عجز استروح إلى ذكر القلب والتفكر فأما من يحبه اللّه عز وجل أعطاه سخاء كسخاء البحر وشفقة كشفقة الشمس وتواضعا كتواضع الأرض ، وعن يحي بن معاذ الرازي قال : المحبة لا تصح إلا من جهة المحبوب ، وليس من أحب يحبه . وعن إبراهيم بن علي المديدي قال : من المحال أن تعرفه ولا تحبه ، ومن المحال أن تحبه ثم لا تذكره ، ومن المحال أن تذكره ثم لا يوجدك طعم ذكره ، ومن المحال أن يوجدك طعم ذكره ولا يشغلك به عمن سواه .
وعن سعيد بن عثمان قال : سمعت ذا النون يقول : من علامة المحب ترك ما يشغله عن اللّه حتى يكون الشغل كله باللّه وحده . وقال يحيى بن معاذ : حقيقة المحب أن لا يرى شيئا سوى محبوبه ، ولا ترى سواه ناصرا ولا معينا ، ولا تستغني بغيره عنه . وعن وهب بن أبي حفاظ الليثي قال : قال لي راهب من الرهبان إذا استقرت المحبة في القلب ذهل عن الأهل والولد . وعن أحمد بن أبي الحواري قال : سمعت راهبا في دير خالد يقول للحسن بن شوذب : لا يكون المحب للّه محبا حتى يحبه بكل الكل ، فصاح الحسن بن شوذب . وعن محمد بن أحمد المهدي قال : سمعت علي بن الموفق ما لا أحصيه وهو يقول : اللهم إن كنت تعلم أني أعبدك خوفا من نارك فعذبني بها ، وإن كنت تعلم أني أعبدك حبا مني لجنتك وشوقا إليها فاحرمنيها ، وإن كنت تعلم إنما أعبدك حبا مني لك وشوقا إلى وجهك الكريم فانجنيه مرة واصنع بي ما شئت . وقال ضيغم الجلاب : إن حبه شغل قلوب مريديه عن التلذذ بمحبة غيره فليس لهم في الدنيا مع حبه لذة ولا يأملون في الآخرة من كرامة الثواب أكثر عندهم من النظر إلى وجهه . وعن عبد الرحمن بن عبد ربه عن ذي النون قال : من قتلته عبادته فديته جنته ، ومن قتله الشوق فديته النظر إليه . وعن عبد اللّه بن سهل قال : سمعت يحيى بن معاذ يقول : كم بين من يريد الوليمة للوليمة ، وكم بين من يريد حضور الوليمة ليلقى الحبيب في الوليمة . ودخل سفيان الثوري على رابعة فقالت له : يا سفيان ما تعدون السخاء فيكم ؟ قال : ما عند أبناء الدنيا فالذي يجود بماله ، وأما عند أبناء الآخرة فهو الذي يجود بنفسه . فقالت : يا سفيان