حبك للرسول صلّى اللّه عليه وسلم ؟ فقالت : واللّه إني لأحبه حبا شديدا ولكن حب الخالق شغلني عن حب المخلوقين وسئل عيسى عليه السلام عن أفضل الأعمال فقال : الرضا عن اللّه تعالى والحب له ، وقال أبو يزيد : المحب لا يحب الدنيا ولا الآخرة ، إنما يحب من مولاه مولاه . وقال الشبلي : الحب دهش في لذة وحيرة في تعظيم ، وقيل : المحبة أن تمحو أثرك عنك حتى لا يبقى فيك شيء راجع منك إليك . وقيل : المحبة قرب القلب من المحبوب بالاستبشار والفرح . وقال الخوّاص : المحبة محو الإرادات واحتراق جميع الصفات
شرح
( وقيل لرابعة ) العدوية قدس سرها : ( كيف حبك للرسول صلّى اللّه عليه وسلم فقالت : إني واللّه أحبه حبا شديدا ولكن حب الخالق شغلني عن حب المخلوقين ) ، وحكي عن أبي سعيد الخراز قال :
رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم في المنام فقلت : يا رسول اللّه اعذرني فإن محبة اللّه شغلتني عن محبتك . فقال : يا مبارك من أحب اللّه فقد أحبني نقله القشيري ، ( وسئل موسى عليه السلام عن أفضل الأعمال فقال : الرضا عن اللّه ) في أفعاله ( والحب له ) لجلاله وكماله .
( وقال أبو يزيد ) البسطامي رحمه اللّه تعالى : ( المحب لا يحب الدنيا ولا الآخرة ) أي لا يميل بقلبه إليهما ( إنما يحب من مولاه مولاه ) أي ذاته ويقصر نظره عليه .
( وقال الشبلي ) رحمه اللّه تعالى : ( الحب دهش في لذة وحيرة في تعظيم ) أشار بالجملة الأولى إلى أوائل الحب ، فإن المحب في أوائل أمره إذ لاحظ جمال المحبوب يدهش ويغيب عن عقله ، فإذا لحقته العناية أصحاه من دهشه فيلتذ بما قام به من الحال ، وأشار بالجملة الثانية إلى كمال مقام الحب وذلك عند تصاغره بالعبودية المحضة إجلالا لعظمته ومهابة لكبريائه لا يفارقه في هذا المقام الحيرة . ولفظ القشيري في الرسالة : سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : المحبة لذة ومواضع الحقيقة دهش انته ، والمعنى أن المحبة في أول أمرها لذة يلتذ بها المحب فإذا غلب على قلبه شغله باللّه وغمره دهش .
( وقيل : المحبة أن تمحو أثرك عنك حتى لا يبقى فيها شيء راجع منك إليك ) ويقرب منه قول أبي عبد اللّه القرشي حقيقة المحبة أن تهب كلك لمن أحببت فلا يبقى لك منك شيء وقول الشبلي : سميت المحبة محبة لأنها تمحو من القلب ما سوى المحبوب نقلهما القشيري .
( وقيل : المحبة قرب القلب من المحبوب بالإستبشار والفرح ) ولفظ القوت قال الجنيد :
المحبة نفسها قرب القلب من اللّه بالإستنارة والفرح انته . والمراد بالقرب قرب مكانة لا قرب مكان ، وأشار بالإستبشار والفرح إلى الأنس الذي تنتجه المحبة ، فإن المستأنس بالقرب يستبشر ويفرح لأنه غير متطلع إلى فائت ، وقد يكون إشارة إلى مقام الصفاء الذي هو إحدى منازلات العبد في سلوكه ، وهو أن يكون القلب خاليا عن سائر الكدورات ، فحينئذ يجد الرب تعالى القلب محلا قابلا للقرب فيملؤه من أنواره ومعرفته وتحفه ، فعند ذلك يميل القلب إلى القرب من المحبوب بكمال المعرفة وينقض عليه انقضاض الطائر الجاف الكبد من عدم الماء إذا رآه في السماء وهو بغاية