تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 583

مساهمون:

ص٥٨٣
حبك للرسول صلّى اللّه عليه وسلم ؟ فقالت : واللّه إني لأحبه حبا شديدا ولكن حب الخالق شغلني عن حب المخلوقين وسئل عيسى عليه السلام عن أفضل الأعمال فقال : الرضا عن اللّه تعالى والحب له ، وقال أبو يزيد : المحب لا يحب الدنيا ولا الآخرة ، إنما يحب من مولاه مولاه . وقال الشبلي : الحب دهش في لذة وحيرة في تعظيم ، وقيل : المحبة أن تمحو أثرك عنك حتى لا يبقى فيك شيء راجع منك إليك . وقيل : المحبة قرب القلب من المحبوب بالاستبشار والفرح . وقال الخوّاص : المحبة محو الإرادات واحتراق جميع الصفات
شرح
( وقيل لرابعة ) العدوية قدس سرها : ( كيف حبك للرسول صلّى اللّه عليه وسلم فقالت : إني واللّه أحبه حبا شديدا ولكن حب الخالق شغلني عن حب المخلوقين ) ، وحكي عن أبي سعيد الخراز قال : رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم في المنام فقلت : يا رسول اللّه اعذرني فإن محبة اللّه شغلتني عن محبتك . فقال : يا مبارك من أحب اللّه فقد أحبني نقله القشيري ، ( وسئل موسى عليه السلام عن أفضل الأعمال فقال : الرضا عن اللّه ) في أفعاله ( والحب له ) لجلاله وكماله . ( وقال أبو يزيد ) البسطامي رحمه اللّه تعالى : ( المحب لا يحب الدنيا ولا الآخرة ) أي لا يميل بقلبه إليهما ( إنما يحب من مولاه مولاه ) أي ذاته ويقصر نظره عليه . ( وقال الشبلي ) رحمه اللّه تعالى : ( الحب دهش في لذة وحيرة في تعظيم ) أشار بالجملة الأولى إلى أوائل الحب ، فإن المحب في أوائل أمره إذ لاحظ جمال المحبوب يدهش ويغيب عن عقله ، فإذا لحقته العناية أصحاه من دهشه فيلتذ بما قام به من الحال ، وأشار بالجملة الثانية إلى كمال مقام الحب وذلك عند تصاغره بالعبودية المحضة إجلالا لعظمته ومهابة لكبريائه لا يفارقه في هذا المقام الحيرة . ولفظ القشيري في الرسالة : سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : المحبة لذة ومواضع الحقيقة دهش انته ، والمعنى أن المحبة في أول أمرها لذة يلتذ بها المحب فإذا غلب على قلبه شغله باللّه وغمره دهش . ( وقيل : المحبة أن تمحو أثرك عنك حتى لا يبقى فيها شيء راجع منك إليك ) ويقرب منه قول أبي عبد اللّه القرشي حقيقة المحبة أن تهب كلك لمن أحببت فلا يبقى لك منك شيء وقول الشبلي : سميت المحبة محبة لأنها تمحو من القلب ما سوى المحبوب نقلهما القشيري . ( وقيل : المحبة قرب القلب من المحبوب بالإستبشار والفرح ) ولفظ القوت قال الجنيد : المحبة نفسها قرب القلب من اللّه بالإستنارة والفرح انته . والمراد بالقرب قرب مكانة لا قرب مكان ، وأشار بالإستبشار والفرح إلى الأنس الذي تنتجه المحبة ، فإن المستأنس بالقرب يستبشر ويفرح لأنه غير متطلع إلى فائت ، وقد يكون إشارة إلى مقام الصفاء الذي هو إحدى منازلات العبد في سلوكه ، وهو أن يكون القلب خاليا عن سائر الكدورات ، فحينئذ يجد الرب تعالى القلب محلا قابلا للقرب فيملؤه من أنواره ومعرفته وتحفه ، فعند ذلك يميل القلب إلى القرب من المحبوب بكمال المعرفة وينقض عليه انقضاض الطائر الجاف الكبد من عدم الماء إذا رآه في السماء وهو بغاية
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 583 | مرتضى الزبيدي