تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
شرح
مسرجة الرب تعالى يشعلها بنوره ، ونوره المذكور ههنا عبارة عن صفاء الباطن واشتعال السر بطلوع نيرات كتب المعارف المذهبة بإذن اللّه تعالى طلم جهالات القلوب ، ووجه إضافته إلى اللّه تعالى على سبيل الإشارة بالذكر لأجل التخصيص بالشرف والكاغد ، والحبر كناية عن أنفسهما لا عن غيرهما وجعلهما مبدأ طريقه وأول سلوكه ، إذ هما في عالم الملك والشهادة الذي هو محل جملة الناظر في حال نظره ، وأما سبب أنه لم يعرف الكتابة ولا المكتوب فلأجل أنه كان أميّا لا يقرأ الكتاب الصناعي ، وإنما يروم معرفة قراءة الخط الإلهي الذي هو أبين وأدل على ما يفهم منه . وأما مخاطبة الناظر للكاغد وهو جماد ، فقد سبق الكلام على مثله ومراجعة الكاغد له ، فعلى قدر حال الناظر إن كان مرادا فيتلقى الكلام في الحس بما ينبه على المطلوب من الحق وهو من الإلقاء في الروع فيودعه الحس المشترك المحفوظ فيه على الإنسان صور الأشياء المحسوسة ، وإن كان مريدا فيتلقاه بلسان الحال المسموع بسمع القلب بواسطة المعرفة والعقل وتصديق الناظر للكاغد في عذره ، وإحالته على الحبر لم يكن بمجرد قوله بل بشهادة أولى الرضا والعدل وهو البحث والتجربة ، وهذا سبيل إلى اليد ، وهو آخر ما سئل عن أجزاء عالم الملك ، وأما ما يسمعه في علم الجبروت وذلك من القدرة المحدثة إلى العقل والعلم الموجودين في الإنسان فمستقره في القوّة الوهمية المدركة جميع ما يستدعي وجوده جسما ، ولكن قد يعرض له أن يكون في جسم كما تدرك السخلة عداوة الذئب وعطف أمها فتتبع العطف وتنفر عن العداوة ، وأما ما يسمعه في حدّ عالم الملكوت وذلك من العلم الإلهي ، إلى ما وراء ذلك مما هو داخل فيه معدود منه فسر القلب الذي يأخذ به عن الملائكة يسمع ما بعد مكانه ودق معناه وغرب عن القلوب من جهة الفكر تصوره ، فأما أي شيء حقائق هذه المذكورات وماكنه واحد منها على نحو معرفتك لأجزاء عالم الملك والشهادة ، فذلك من علم لا ينتفع بسماعه مع عدم الشهادة ، واللّه قد عرفك بأسمائها فإن كنت مؤمنا فصدق بوجودها على الجملة كعلمك أنك لا تخبر بتسميات ليس لها مسميات إلى أن يلحق اللّه تعالى بأولى المشاهدات ويخصك بخالص الكرامات ، ومن كفر فإن اللّه غني حميد . فصل والفرق بين القلم المحسوس في عالم الملك وبين القلم الإلهي في عالم الملكوت ، أن القلم المحسوس كما علمته مجسما بطيء الحركة بالفعل سريع الإنتقال بالهلاك مخلفا عن مثله في الظاهر مجعولا تحت قهر سلطان الآدمي الضعيف الجاهل في أكثر أوقاته ، مصرفا بين أحوال متنافية كالعلم والجهل والظلم والعدل والشك والصدق . وأما القلم الإلهي فعبارة عن خلق للّه تعالى في عالم الملكوت مختص بخلاف خصائص الجواهر الحسية الكائنة في عالم الملك يرى أنه من أوصاف ما سمي به القلم المحسوس كلها مصرف بيمين الخالق بحكم إرادته على ما سبق به علمه في أزل الأزل ، وإنما سمي بهذا الاسم لأجل شبهه لعمل ما يشتهي به غير أنه لا يكتب إلا حقا بحق ، والفرق بين يمين الآدمي ويمين اللّه عز وجل أن يمين الآدمي كما علمت مركب من عصب استعصى بقاؤها ، وعضل تعضل ادلاؤها ، وعظام يعظم بلاؤها ، ولحم ممتد وجلد غير ذي جلد موصولة بمثلها في الضعف والانفصال