شرح
إذنه ليتحرك إلى الحساب ، وحدّه دون من يشاركه في اسمه ولا يكون نداء من خارج ، والأمثلة كثيرة في الشرع ، وفيما سمعت منه مقنع .
ومنها تلقي الكلام في العقل وهو المستفاد بالمعرفة المسموع بالقلب المفهوم بالتقدير عن اللفظ المسمى بلسان الحال ، كما قال قيس :وأجهشت للتوباد حين رأيته * وكبّر للرحمن حين رآني
فقلت له أين الذين عهدتهم * حواليك في عيش وخفض جنان
فقال مضوا واستودعوني بلادهم * ومن ذا الذي يبقى على الحدثانوفي أمثال العوام قال الحائط للوتد : لم تشقني ؟ فقال الوتد للحائط : سل من يدقني . فلو كانت العبارة يتأتى منها ما عبرت إلا بما قد استعير لها ، وعلى هذا المعنى حمل كثير من العلماء قوله عز وجل عن السماء والأرض حين قالت :أَتَيْنا طائِعِينَ[ فصلت : 11 ] وقوله عز وجل عن السماوات والأرض والجبالفَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها[ الأحزاب : 72 ] .
ومنها تلقي الكلام في الخيال مثل قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « كأني أنظر إلى يونس بن متى عليه عباءتان قطوانيتان يلبي وتجيبه الجبال واللّه يقول لبيك يا يونس » . فقوله : « كأني » يدل على أنه تجلي حالة سبقت لم يكن لها في الحال وجود ذاتي لأن يونس عليه السلام قد مات ، وتلك الحالة منه قد سلفت .
وفي هذا الحديث إخبار عن الوجود الخيالي في البصر والوجود الخيالي في السمع .
ومنها تلقي الكلام بالشبه ، وهو أن يسمع السامع كلاما وأصواتا من شخص حاضر فيلقي عليه شبه غيره بما غاب عنه ، كقوله صلّى اللّه عليه وسلم في صوت أبي موسى الأشعري وقد سمعه يترنم بالقرآن : « لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود » ومزامير آل داود قد عدمت وذهبت ، وإنما شبه صوته بها ، وكما إذا سمع المريد صوت مزمار وعود فجاء على غير قصد بتخييل صرير أبواب الجنة وتشبيهها بها فجاء صوته من ذلك ، فهذه مراتب الوجود فأنت إذا أحسنت التصرف بين إثباتها ولم يعترك غلط في بعضها ببعض ، ولا اشتبهت عليك وسمعت بمن نظر بمشكاة نور اللّه تعالى إلى الكاغد ، وقد رآه اسودّ وجهه بالحبر فقال له : ما بال وجهك وكان أبيض مشرقا مونقا والآن قد ظهر عليه السواد فلم سوّدت وجهك ؟ فقال الكاغد : ما أنصفتني في هذه المطالبة فإني ما سوّدت وجهي بنفسي ، لكن سل الحبر فإنه كان مجموعا في المحبرة التي هي مستقره ووطنه ، فسافر عن الوطن ونزل بساحة وجهي ظلما وعدوانا ، فقال : ما أنصفت ؟ قال : صدقت ثم أنت إذا سمعت أمثال هذه المراجعات اعمل الفكر وحدّد النظر وحل الكلام إلى أجزائه التي انتظم منها جملة ما بلغك ، فتسأل عن معنى الناظر ومعنى نور اللّه سبحانه وما سبب إن لم يعرف الناظر الكتابة والمكتوب ، وبأي لسان خاطب الكاغد وهو ليس من أهل النطق ، وفيما ذا صدق الناظر الكاغد ولم صدقه بمجرد قوله دون دليل ولا شاهد . فيبدو لك ههنا أن الناظر هو ناظر القلب فيما أورده عليه الحس والمشكاة ، استعارة نقلت من مشكاة الزجاجة التي أعمرت بسراج النار إلى حبر المعرفة الملقب بسر القلب تشبيها لأنها