وترى أبا يزيد عند اللّه قد ظهر له على مقداره ؟ فعرف ما قلت ، فقال : احملني إليه ، فذكر قصة قال في آخرها : فوقفنا على تل ننتظره وليخرج إلينا من الغيضة - وكان يأوي إلى غيضة فيها سباع - قال : فمر بنا وقد قلب فروة على ظهره فقلت للفتى : هذا أبو يزيد فانظر إليه ! فنظر إليه الفتى فصعق ، فحركناه فإذا هو ميت ، فتعاونا على دفنه فقلت لأبي يزيد : يا سيدي نظره إليك قتله ، قال : لا . ولكن كان صاحبكم صادقا واستكن في قلبه سر لم ينكشف له بوصفه ، فلما رآنا انكشف له سر قلبه فضاق عن حمله ، لأنه في مقام الضعفاء المريدين ، فقتله ذلك .
ولما دخل الزنج البصرة فقتلوا الأنفس ونهبوا الأموال اجتمع إلى سهل إخوانه فقالوا : « لو سألت اللّه تعالى دفعهم ؟ فسكت ثم قال : إن للّه عبادا في هذه البلدة لو دعوا على الظالمين لم يصبح على وجه الأرض ظالم إلا مات في ليلة واحدة ، ولكن لا يفعلون ، قيل : لم ؟ قال : لأنهم لا يحبون ما لا يحب ، ثم ذكر من إجابة اللّه أشياء لا يستطاع
شرح
على مقدارك ، وترى أبا يزيد عند اللّه قد ظهر له على مقداره ، فعرف ) المريد ( ما قلت ) فوطن نفسه على رؤية أبي يزيد ، ( فقال : احملني إليه فذكر قصة قال في آخرها : فوقفنا على تل ) أي محل مرتفع مشرف على ممره ( ننتظره ليخرج إلينا من الغيضة ، وكان ) أبو يزيد ( يأوي إلى غيضة فيها سباع ) ووحوش ( قال : فمرّ بنا وقد قلب فروة على ظهره فقلت للفتى : هذا أبو يزيد فانظر إليه ، فنظر إليه الفتى فصعق ) في الحال وغشي عليه ، ( فحركناه فإذا هو ميت فتعاونا على دفنه ، فقلت لأبي يزيد : يا سيدي نظره إليك قتله ؟ قال : لا ، ولكن كان صاحبكم صادقا ) في حبه ( واستكن في قلبه سر لم ينكشف له بوصفه ، فلما رآنا انكشف له سر قلبه ) فاستغرقه ( فضاق عن حمله لأنه في مقام الضعفاء المريدين فقتله ذلك ) ، فلذلك شرطوا للمريد في ترقيه أن يكون بالتدريج فلا يصل إلى مقام هو أرفع مما كان فيه إلا وقد أنس في مبادئه حتى يكون مطيقا لحمله ، وإلّا فإن ورد عليه مرة واحدة لم يتحمل ، بل ربما أهلكه . وقد ينكشف للمريد في صحبة العارفين والنظر إلى وجوههم في لحظة واحدة ما لا ينكشف لهم بالاجتهاد في مدة متطاولة ، ولذلك جعل مشايخ الطريقة العلية النقشبندية قدس اللّه أسرارهم الرابطة بالشيخ الكامل من جملة أركان الطريق .
( ولما دخل الزنج ) وهم السودان الأحابيش من اللفائف ( البصرة فقتلوا الأنفس ونهبوا الأموال ) وأحرقوا الدور وارتحل منها من قدر وأطاق ( اجتمع إلى ) أبي مجد ( سهل ) بن عبد اللّه التستري رحمه اللّه تعالى وكان إذ ذاك بالبصرة في دار خاله محمد بن سوار ( إخوانه ) وأصحابه ( فقالوا : لو سألت اللّه تعالى دفعهم ) عن المسلمين ، ( فسكت ، ثم قال : إن للّه عبادا في هذه البلدة لو دعوا على الظالمين لم يصبح على وجه الأرض ظالم إلا مات في ليلة واحدة ولكن لا يفعلون ) أي لا يدعون عليهم . ( قيل : لم ؟ قال : لأنهم لا يحبون ما لا يحب ، ثم ذكر