تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 564

مساهمون:

ص٥٦٤
يقول : إذا رأيتموني فقد رأيتم أربعين بدلا ، قيل : وكيف وأنت شخص واحد ؟ قال : لأني رأيت أربعين بدلا وأخذت من كل بدل خلقا من أخلاقه وقيل له : بلغنا أنك ترى الخضر عليه السلام فتبسم وقال : ليس العجب ممن يرى الخضر ولكن العجب ممن يريد الخضر أن يراه فيحتجب عنه ! وحكي عن الخضر عليه السلام أنه قال : ما حدثت نفسي يوما قط أنه لم يبق ولي للّه تعالى إلا عرفته إلا ورأيت في ذلك اليوم وليا لم أعرفه . وقيل لأبي يزيد البسطامي مرة : حدّثنا عن مشاهدتك من اللّه تعالى ، فصاح ثم قال : ويلكم لا يصلح لكم أن تعلموا ذلك ! قيل : فحدثنا بأشد مجاهدتك لنفسك في اللّه تعالى ، فقال : وهذا أيضا لا يجوز أن أطلعكم عليه . قيل : فحدثنا عن رياضة نفسك في بدايتك ، فقال : نعم دعوت نفسي إلى اللّه فجمحت عليّ فعزمت عليها أن لا أشرب الماء سنة ولا أذوق النوم سنة فوفت لي بذلك .
شرح
يقول : إذا رأيتموني فقد رأيتم أربعين بدلا . قيل : وكيف ذلك وأنت شخص واحد ؟ قال : لأني رأيت أربعين بدلا وأخذت من كل بدل خلقا من أخلاقه ) فاجتمعت فيّ أخلاق أربعين رجلا . ( وقيل له : بلغنا أنك ترى الخضر عليه السلام فتبسم وقال : ليس العجب ممن يرى الخضر ولكن العجب ممن يريد الخضر أن يراه فيحتجب عنه ) ، وهذا كما نقله القشيري عن بعضهم أنهم أراد منه الخضر أن يصحبه فأبى فسئل عن ذلك فقال : خفت ان يفسد عليّ توكلي . ( وحكي عن الخضر عليه السلام أنه قال : ما حدثت نفسي يوما قط أنه لم يبق ولي للّه تعالى إلا ) قد ( عرفته إلا ورأيت في ذلك اليوم شيئا لم أعرفه ) قبل ذلك . ( وقيل لأبي يزيد ) طيفور بن عيسى ( البسطامي ) رحمه اللّه تعالى ( مرة : حدّثنا عن مشاهدتك من اللّه تعالى فصاح ثم قال : ويحكم لا يصلح لكم أن تعلموا ذلك ) ، لأن المشاهدة أسرار بين اللّه تعالى وعبده ، ولا ينبغي كشفها للغير غيرة عليها . ( قيل : فحدثنا بأشدّ مجاهدتك لنفسك في اللّه تعالى . فقال : وهذا أيضا لا يجوز أن أطلعكم عليه ) فإن العقول ربما لا تحتمل ذلك فيقع الإنكار فيكون سببا للمقت ، أو لأن السامع ربما يحمل نفسه على مثل ذلك من غير تدريج فيقع في حرج . ( قيل : فحدثنا عن رياضة نفسك ) وتهذيبها ( في بدايتك ) أي أوّل سلوكها . ( فقال : نعم دعوت نفسي إلى اللّه تعالى فجمحت عليّ فعزمت عليها أن لا أشرب الماء سنة ولا أذوق النوم سنة فوفت لي بذلك ) وإنما فعل ذلك لأنه رأى فيها بقايا شهوة ، فنظر إلى أجل لذاتها فإذا هي شرب الماء والنوم فتركهما ليستأصل الشهوة بالكلية . وأعظم أسباب النوم شرب الماء ، فترك شرب الماء لينقطع عنه النوم ، ومن ذلك أهدى رجل إلى الإمام أبي زكريا النووي