تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 562

مساهمون:

ص٥٦٢
خَاصَّةً
[ الأنفال : 25 ] فإذا ليس في شيء من أسباب نقص الدين البتة رضا مطلق إلا من حيث إضافتها إلى فعل اللّه تعالى ، فأما هي في نفسها فلا وجه للرضا بها بحال . وقد اختلف العلماء في الأفضل من أهل المقامات الثلاث رجل يحب الموت شوقا إلى لقاء اللّه تعالى ، ورجل يحب البقاء لخدمة المولى ، ورجل قال : لا أختار شيئا بل أرضى بما اختاره اللّه تعالى ، ورفعت هذه المسألة إلى بعض العارفين ، فقال : صاحب الرضا أفضلهم لأنه أقلهم فضولا . واجتمع ذات يوم وهيب بن الورد وسفيان الثوري ويوسف بن أسباط فقال الثوري : كيف أكره موت الفجأة قبل اليوم ، واليوم وددت أني مت ، فقال
شرح
( فإذا ليس في شيء من أسباب نقص الدين البتة رضا مطلق إلا من حيث إضافتها إلى فعل اللّه تعالى ، فأما هي في نفسها فلا وجه للرضا بها بحال ، وقد اختلف العلماء في الأفضل من أهل المقامات الثلاث ) أي : أيهم أفضل ( رجل يحب الموت شوقا إلى لقاء اللّه تعالى ، ورجل يحب البقاء ) للمعاملة و ( لخدمة المولى ، ورجل قال لا أختار شيئا بل أرضى بما اختاره اللّه تعالى لي ) إن شاء أحياني أبدا وإن شاء أماتني غدا . ( ورفعت هذه المسألة إلى بعض العارفين ) وتحاكموا إليه ( فقال صاحب الرضا : أفضلهم لأنه أقلهم فضولا ) . قال صاحب القوت : وهذا كما قال في الاعتبار بترك الاعتراض والاختيار ، لأنه دخل في الدار بغير اختيار ، فكذلك ينبغي أن يكون خروجه منها عن معنى دخوله بلا اختيار ، ولأن مقام الرضا أعلى من مقام الشوق ، ثم الذي يليه في الفضل الذي يحب الموت شوقا إلى اللقاء ، وهذا مقام في المحبة وهو حقيقة الزهد في الحياة ، والذي يحب البقاء للخدمة وكثرة المعاملة فهو فاضل بعد هذين مقامه قوّة الرجاء وحسن الظن في العصمة ، وله أيضا مطالعات من الأنس وملاحظات في القرب به طاب مقامه وعنه سكنت نفسه وقصرت عليه أيامه ، ففي الخبر « أفضل المؤمنين إيمانا من طال عمره وحسن عمله » هذا لأن الأعمال مقتضى الايمان ، إذ حقيقة الإيمان إنما هو قول وعمل وليس بعد هؤلاء مقام يفرح به ولا يغبط عليه صاحبه ولا يوصف بمدح إنما هو حب البقاء ولمتعة النفس وموافقة الهوى وقد تشرف النفس على الضعفاء من أهل هذا الطريق وتختفي فيها علته ، وهو أن يحب البقاء لأجل النفس ، وللمتعة بروح الدنيا وما طبعت عليه من حب الحياة ويكره الموت لمنافرة الطبع فيتوهم أنه ممن يحب البقاء لأجل اللّه تعالى ولأجل طاعته وخدمته ، وهذا من الشهوة الخفية التي لا يخرجها إلا حقيقة الزهد في الدنيا ولا يفضل في هذا الطريق الثالث إلا عارف واحد دائم المشاهدة باليقين ، فأما المعتل بوصفة وهواه فليس به اعتبار في طريق ولا مقام . ( و ) قد كان ( اجتمع ذات يوم وهيب بن الورد ) المكي تقدم التعريف به مرارا ( وسفيان ) بن سعيد ( الثوري ، ويوسف بن أسباط ) الشيباني رحمهم اللّه تعالى ( فقال الثوري ) : قد ( كنت أكره موت الفجأة قبل اليوم واليوم وددت أني مت ، فقال له