تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 559

مساهمون:

ص٥٥٩
ما رأيت بها إلا شرطيا غضبان أو تاجرا لهفان أو قارئا حيران ! ولا ينبغي أن تظن أن ذلك من الغيبة لأنه لم يتعرض لشخص بعينه حتى يستضر ذلك الشخص به ، وإنما قصد بذلك تحذير الناس وكان يخرج إلى مكة - وقد كان مقامه ببغداد - يرقب استعداد القافلة ستة عشر يوما ، فكان يتصدق بستة عشر دينارا لكل يوم دينار كفارة لمقامه ، وقد ذم العراق جماعة : كعمر بن عبد العزيز وكعب الأحبار . وقال ابن عمر رضي اللّه عنهما لمولى له : أين تسكن ؟ فقال : العراق ، قال : فما تصنع به ؟ بلغني أنه ما من أحد يسكن العراق إلا قيض اللّه له قرينا من البلاء . وذكر كعب الأحبار يوما العراق فقال :
شرح
( كيف رأيت ) الناس في ( بغداد ؟ فقال : ما رأيت بها إلا شرطيا غضبان أو تاجرا لهفان أو قارئا حيران ) نقله صاحب القوت . ( ولا ينبغي أن تظن أن ذلك من الغيبة لأنه لم يتعرض لشخص بعينه حتى يستضر ذلك الشخص به ، وإنما قصد بذلك تحذير الناس ) عن سكناها . ( وكان ) ابن المبارك ( يخرج إلى مكة وقد كان مقامه ببغداد يرقب استعداد القافلة ستة عشر يوما فكان يتصدق بستة عشر دينارا لكل يوم دينار كفارة لمقامه ) ولفظ القوت ويقال : إنه كان يتصدق في كل يوم بدينار لأجل مقامه ببغداد إلى أن يخرج إلى مكة فبلغني أنه كان يقيم مع الحاج ستة عشر يوما فكان يتصدق بستة عشر دينارا كفارة لمقامه ، ثم قال : وقد وصفها الشافعي رضي اللّه عنه أنها هي الدنيا . وروينا عنه أنه قال : الدنيا كلها بادية وبغداد حاضرتها ، وحدثونا عن يونس بن عبد الأعلى قال : قال لي الشافعي : يا يونس رأيت بغداد ؟ قلت : لا . قال : ما رأيت الدنيا ولا رأيت الناس ا ه . وقال الخطيب في تاريخه : أخبرنا أبو عبد الرحمن إسماعيل بن أحمد الضرير ، أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي بنيسابور ، سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت عبد اللّه بن موسى الطلحي يقول : سمعت أحمد بن العباس يقول : خرجت من بغداد فاستقبلني رجل عليه أثر العبادة فقال لي : من أين خرجت ؟ فقلت : من بغداد هربت منها لما رأيت فيها من الفساد خفت أن يخسف بأهلها ، فقال : ارجع ولا تخف فإن فيها قبور أربعة من الأولياء هم حصن من جميع البلايا . قلت : من هم ؟ قال : الإمام أحمد بن حنبل ، ومعروف الكرخي ، وبشر الحافي ، ومنصور بن عمار ا ه . ( وقد ذم العراق جماعة كعمر بن عبد العزيز وكعب الأحبار ) رحمهما اللّه تعالى : ( وقال ابن عمر رضي اللّه عنهما ) كذا في سائر النسخ وهو غلط ، ولفظ القوت فروينا عن عمر بن عبد العزيز أنه قال ( لمولى له : أين تسكن ؟ فقال : العراق ، فقال : فما تصنع به بلغني أنه ما من أحد يسكن العراق إلا قيض اللّه له قرينا من البلاء ) . كذا في القوت ( وذكر كعب الأحبار يوما العراق فقال : فيه تسعة أعشار الشر وفيه الداء العضال ) قال صاحب القوت : وكان قال ذلك لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فنهاه عن الخروج إلى العراق .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 559 | مرتضى الزبيدي