السالكين لطريق التوحيد في الفعل : أعني من انكشف له أن الفاعل واحد .
شرح
بالإضافة إلى شيء واحد أوّلا آخرا جميعا ، بل إذا نظرت إلى ترتيب الوجود ولاحظت سلسلة الموجودات المترتبة فاللّه تعالى بالإضافة إليها أوّل ، إذ الموجودات كلها استفادت الوجود منه ، وأما هو فموجود بذاته وما استفاد الوجود من غيره ، ومهما نظرت إلى ترتيب السلوك ولاحظت مراتب السائرين إليه فهو آخر إذا هو آخر ما ترتقي إليه درجات العارفين وكل معرفة تحصل قبل معرفته فهي مرقاة إلى معرفته ، والمنزل الأقصى هي معرفة اللّه سبحانه فهو آخر بالإضافة إلى السلوك إليه أوّل بالإضافة إلى الوجود ، فمنه المبدأ أوّلا وإليه المرجع والمصير آخرا . وأما الظاهر والباطن ؛ فهما أيضا من المضافات فإن الظاهر يكون ظاهرا من وجه ، وباطنا من وجه آخر ، ولا يكون من وجه واحد ظاهرا وباطنا ، بل يكون ظاهرا من وجه وبالإضافة إلى إدراك ، وباطنا من وجه ، وبالإضافة إلى ادراك فإن الظهور والبطون إنما يكون بالإضافة إلى الإدراكات ، واللّه سبحانه باطن إن طلب من ادراك الحواس وخزانة الخيال وظاهران طلب من خزانة العقل بطريق الاستدلال .
فإن قلت : أما كونه باطنا بالإضافة إلى إدراك الحواس فظاهر ، وأما كونه ظاهرا بالإضافة إلى إدراك العقل فغامض إذ الظاهر ما لا يتمارى فيه ولا يختلف الناس في إدراكه ، وهذا مما وقع الريب الكثير للخلق ، فكيف يكون ظاهرا .
فاعلم أنه إنما يخفي مع ظهوره لشدة ظهوره فظهوره سبب بطونه ونوره هو حجاب نوره ، وكل ما جاوز من حدّه انعكس على ضده ، فسبحان من احتجب عن الخلق بنوره وخفي عليهم بشدة ظهوره ، فهو الظاهر الذي لا أظهر منه ، والباطن الذي لا أبطن منه ، ولا تعجبن من هذا في صفات اللّه تعالى فإن المعنى الذي به الإنسان انسان ظاهر باطن ، فإنه ظاهر إن استدل عليه بأفعاله المرتبة المحكمة ، باطن إن طلب من إدراك الحس فإن الحس إنما يتعلق بظاهر بشرته ، وليس الإنسان إنسانا بالبشرة المرئية ، بل لو تبدلت تلك البشرة بل سائر أجزائه فهو هو والأجزاء متبدلة ، ولعل أجزاء كل إنسان بعد كبر سنه غير الأجزاء التي كانت فيه عند صغره فإنها تحللت بطول الزمان وتبدلت بأمثالها بطريق الإغتذاء ، وهويته لم تتبدل فتلك الهوية باطنة عن الحواس ظاهرة للعقل بطريق الإستدلال عليها بآثارها وأفعالها .
( فهكذا كان توحيد السالكين لطريق التوحيد في الفعل . أعني من انكشف له أن الفاعل واحد ) وحيث انتهى بنا الكلام إلى هنا ، فلنورد ما اعترض على المصنف في هذا السياق من أوله إلى هنا .
قال المعترض في جملة كلامه : وكيف يتصور مخاطبة العقلاء للجمادات والجمادات للعقلاء ، وبما ذا تسمع تلك المخاطبة ، أبحاسة الاذن أم بسمع القلب ، وما الفرق بين القلم المحسوس والقلم الإلهي ، وما حدّ عالم الملك وعالم الجبروت وعالم الملكوت ، وما معنى أن اللّه تعالى خلق آدم على صورته ، وما الفرق بين الصورة الظاهرة التي معتقدها يكون مشبها صرفا والصورة الباطنة التي