جماعة على ذم بغداد وإظهارهم ذلك وطلب الفرار منها ، فقال ابن المبارك : قد طفت الشرق والغرب فما رأيت بلدا شرا من بغداد ! قيل : وكيف ؟ قال : هو بلد تزدري فيه نعمة اللّه وتستصغر فيه معصية اللّه . ولما قدم خراسان قيل له : كيف رأيت بغداد ؟ قال :
شرح
تعالى ، ( فما زال السلف الصالح يعتادون ذلك حتى اتفق جماعة منهم على ذم ) دار السلام ( بغداد ) وهي المدينة المشهورة بالعراق بناها أبو جعفر المنصور وفيها لغات أشهرها : بفتح الباء الموحدة وسكون الغين المعجمة ودالين مهملتين ، ثم بغدان بالنون بدل الدال ، ويروى بدال في آخره ، ويروى بدال أولى مهملة والثانية معجمة ، وهذا هو المعروف عند المحدثين والكتاب ، ويقال بعكس ذلك ، ويقال مغدان بالميم بدل الباء والنون آخرا . وقد استوفيت ذلك في شرحي على القاموس ، والاسم أعجمي والعرب تختلف في ذلك ، وزعم بعضهم أن تفسيره بستان العدل ، وقيل عطية الصنم وهو على اللغة المشهورة الأولى التي ذكرناها ، ولذا كره ابن المبارك هذه التسمية ، وسماها المنصور دار السلام لأن دجلة كان يقال لها وادي السلام وكان بناها في سنة خمس وأربعين ومائة في الوقت الذي اختاره له توبحت المنجم ، وكان قد جمع لبنائها مائة ألف رجل من جميع الأقاليم من أهل المعرفة بالبناء وأحكامه ، ويقال : لا تعرف في أقطار الأرض مدينة مدورة سواها ، وقد استوفى أخبار بنائها وما يتعلق بها الخطيب في أول تاريخه لها ، ( وإظهارهم ذلك ) أي الذم ( وطلب الفرار منها ) .
وقال صاحب القوت : وكذلك يحب ابن آدم ممن عامله الاعتراف والتواضع وهو أيضا أحد المعاني في قوله تعالىوَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاًقيل : هو الاعتراف عقيب العمل السيء لأنه قد تقدم ذكره ، فكان الصالح بعده اعترافه فأما من قلبت عليه هذه المعاني فجهل مواقيت الأمور وغلبت عليه الغفلة واستحوذت عليه الجهالة فجعل ينظر إلى من فوقه في الدنيا فيغبطه على حاله أو يتمنى مكانه أو يدخله نظره إليه في استصغار نعمة اللّه عليه ويزدري بيسير ما قسم به ، ثم ينظر إلى من هو دونه في الزي من عموم المسلمين فيرضي بنقصان مقامه ويجعل ذلك معذرة له وحجة وتأسيا به فيغبطه عن اتساعه إلى القربات أو لعلة أو يداخله العجب والكبر حتى يتفضل عليه بحاله أو ينظر إلى نفسه بإهماله لتقصير غيره عن مثل فعاله ، فهذا أيضا يكتب جزوعا من الصبر كفورا للنعمة بإضاعة الشكر لأنه ليس بصابر ولا شاكر ، وهذا وصف من أوصاف المنافقين وهو مقام الهالكين . وروي عن أبي ذر رضي اللّه عنه قال : أوصاني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بحب المساكين والدنو منهم ، وأن أنظر من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي ، فذلك أجدر أن لا أزدري نعمة اللّه علي .
وقد وصف هذا البلد الذي نحن فيه بمثل هذه المعاني واللّه المستعان . ( فقال ابن المبارك ) فيما حدثونا عنه : ( قد طفت الشرق والغرب فما رأيت بلدا أشد من بغداد . قيل : وكيف هو ) يا أبا عبد الرحمن ؟ ( قال : هو بلد تزدرى ) أي تحتقر ( فيه نعمة اللّه وتستصغر فيه معصية اللّه ) أي تعد صغيرة . قال : ( و ) حدثونا عنه أنه ( لما قدم خراسان قيل له ) : يا أبا عبد الرحمن