تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 557

مساهمون:

ص٥٥٧
بيان أن الفرار من البلاد التي هي مظان المعاصي ومذمتها لا يقدح في الرضا : اعلم أن الضعيف قد يظن أن نهي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن الخروج من بلد ظهر به الطاعون يدل على النهي عن الخروج من بلد ظهرت فيه المعاصي ، لأن كل واحد منهما فرار من قضاء اللّه تعالى وذلك محال ؛ بل العلة في النهي عن مفارقة البلد بعد ظهور الطاعون انه لو فتح هذا الباب لارتحل عنه الأصحاء وبقي فيه المرضى مهملين لا متعهد لهم فيهلكون هزالا وضرا . ولذلك شبهه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في بعض الأخبار بالفرار من الزحف ، ولو كان ذلك للفرار من القضاء لما أذن لمن قارب البلدة في الانصراف - وقد ذكرنا حكم ذلك في كتاب التوكل - وإذا عرف المعنى ظهر أن الفرار من البلاد التي هي مظان المعاصي ليس فرارا من القضاء بل من القضاء الفرار مما لا بدّ من الفرار منه . وكذلك مذمة المواضع التي تدعو إلى المعاصي والأسباب التي تدعو إليها - لأجل التنفير عن المعصية - ليست مذمومة ، فما زال السلف الصالح يعتادون ذلك حتى اتفق
شرح

بيان أن الفرار من البلاد التي هي مظان المعاصي ومذمتها لا يقدح في الرضا :

( اعلم ) أسعدك اللّه تعالى ( أن الضعيف ) القاصر النظر ( قد يظن أن نهي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن الخروج من بلد ظهر به الطاعون ) كما تقدم ذلك في الأخبار الواردة فيه ( يدل على النهي عن الخروج من بلد ظهرت فيه المعاصي ) وفشت ، ( لأن كل واحد منهما فرار من قضاء اللّه ) وهو مذموم منهي عنه ، ( وذلك محال بل العلة في النهي عن مفارقة البلد بعد ظهور الطاعون ) منه ( أنه لو فتح هذا الباب لارتحل عنه الأصحاء وبقي فيه المرضى مهملين لا متعهد لهم ) في تمريضهم ( فيهلكون هزالا وضرا ) ولا يوجد من يجهزهم بعد موتهم ( ولذلك شبهه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في بعض الأخبار بالفرار من الزحف ) تشديدا في أمره وزجرا له في ذلك ؛ واستدل به من ذهب إلى أن النهي فيه نهي تحريم كما هو مذهب الشافعي ، وقد تقدم ذلك في كتاب التوكل ، وذكرنا هناك أن تلك العلة التي أبداها المصنف قد سبقه فيها الإمام أبو جعفر الطحاوي في شرح معاني الآثار ، ( ولو كان ذلك للفرار من القضاء ) كما تفهم بظاهره ( لما أذن لمن قارب البلد في الانصراف ) والرجوع ، ( وقد ذكر حكم ذلك في كتاب التوكل ) فارجع إليه ، ( وإذا عرف المعنى ظهر أن الفرار من البلاد التي بها مظان المعاصي ليس فرارا من القضاء ، بل من القضاء الفرار مما لا بد الفرار منه ) ويدل لذلك قول عمر رضي اللّه عنه لما أمر الناس بالانصراف عن الشام وقد قال له بعضهم أتفر من قضاء اللّه ؟ فقال : نعم نفر من قضاء اللّه إلى قضاء اللّه . ( وكذلك مذمة المواضع التي تدعو إلى المعاصي والأسباب التي تدعو إليها لأجل التنفير عن المعصية ليس مذموما ) . وقال الكمال الصوفي : ولا رخصة في الإقامة في بلد كثر فيه الفساد خوفا من الفرار من قضاء اللّه تعالى فإنه أيضا إذا فرّ فرّ بقضاء اللّه
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 557 | مرتضى الزبيدي