وبهذا يعرف أيضا أن الدعاء بالمغفرة والعصمة من المعاصي وسائر الأسباب المعينة على الدين غير مناقض للرضا بقضاء اللّه تعالى ، فإن اللّه تعبد العباد بالدعاء ليستخرج الدعاء منهم صفاء الذكر وخشوع القلب ورقة التضرع ، ويكون ذلك جلاء للقلب ومفتاحا للكشف وسببا لتواتر مزايا اللطف . كما أن حمل الكوز وشرب الماء ليس مناقضا للرضا بقضاء اللّه تعالى في العطش ، وشرب الماء طلبا لإزالة العطش مباشرة سبب رتبه مسبب الأسباب ، فكذلك الدعاء سبب رتبة اللّه تعالى وأمر به . وقد ذكرنا أن التمسك بالأسباب جريا على سنّة اللّه تعالى لا يناقض التوكل - واستقصيناه في كتاب التوكل - فهو أيضا لا يناقض الرضا لأن الرضا مقام ملاصق للتوكل ويتصل به نعم إظهار البلاء
شرح
أما المصلحة المقصودة لنفسها فإن اللّه تعالى تسمى بالخافض الرافع ، ولهما آثار في الوجود من الحفض والرفع ، فندب اللّه عباده إلى أن يكون المخفوض عنده المخفوض عندهم والمرفوع عنده المرفوع عندهم ، ولا يوجد كمال هذه العبادة إلا عند المحبين لأن المحبة إذ قربت تعدت إلى كل ما يتعلق بالمحبوب حتى يحب حبيبه ويبغض بغيضه ، وإليه الإشارة بقوله تعالىفَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً[ الكهف : 6 ] أي قاتل نفسك وقوله تعالى :وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ[ المائدة : 41 ] .
وأما المصلحة المقصودة لغيرها ، فإن اللّه جبل طباع العباد على النفرة عما يكرهونه ، فكراهة المعاصي على هذا وسيلة إلى تركها ونبذها لا من حيث أنها من فعل اللّه .
فإن قلت : الرضا والسخط أيضا مرادان ، وقد قلت إن اللّه أراد ما لا يرضى ، وما معنى قوله تعالىوَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ[ الزمر : 7 ] فأقول : الرضا والسخط مرددان بين الإرادة والفعل ، ومعنى الآية محمول على الصفة الفعلية لا على الصفة الذاتية فقوله تعالىوَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَأي إذا كفروا عاملهم معاملة الساخط عليهم ، وهذا معنى قولك : يريد ما لا يرضى أي خصهم بفعل يعاقبهم عليه لأن حقيقة لفظي الرضا والسخط محالان في حق اللّه تعالى انته .
( وبهذا تعرف أيضا أن الدعاء بالمغفرة والعصمة من المعاصي وسائر الأسباب المعينة على الدين غير مناقض للرضا بقضاء اللّه تعالى ، فإن اللّه تعالى تعبد العباد بالدعاء ليستخرج الدعاء منهم صفاء الذكر وخشوع القلب ورقة التضرع ، ويكون ذلك جلاء للقلب ومفتاحا للكشف وسببا لتواتر مزايا اللطف . كما أن حمل الكوز وشرب الماء ليس مناقضا للرضا بقضاء اللّه تعالى في العطش ، وشرب الماء طلبا لإزالة العطش مباشرة سبب رتبه مسبب الأسباب ، فكذلك الدعاء سبب رتبه اللّه تعالى وأمر به . وقد ذكرنا أن التمسك بالأسباب جريا على سنة اللّه تعالى لا يناقض التوكل وقد استقصيناه في كتاب التوكل فهو أيضا لا يناقض الرضا لأن الرضا مقام ملاصق للتوكل ويتصل به ) وهذا عذر من جعل الرضا من