على الكفار والتغليظ عليهم والمبالغة في مقتهم مع الرضا بقضاء اللّه تعالى من حيث أنه قضاء اللّه عز وجل ، وهذا كله يستمد من سر القدر - الذي لا رخصة في إفشائه - وهو أن الشر والخير كلاهما داخلان في المشيئة والإرادة ولكن الشر مراد مكروه والخير مراد مرضى به . فمن قال : ليس الشر من اللّه فهو جاهل وكذا من قال : إنهما جميعا منه - من غير افتراق في الرضا والكراهة - فهو أيضا مقصر . وكشف الغطاء عنه غير مأذون فيه ؛ فالأولى السكوت والتأدب بأدب الشرع فقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : « القدر سر اللّه فلا تفشوه » وذلك يتعلق بعلم المكاشفة . وغرضنا الآن بيان الإمكان فيما تعبد به الخلق من الجمع بين الرضا بقضاء اللّه تعالى ومقت المعاصي مع أنها من قضاء اللّه تعالى ، وقد ظهر الغرض من غير حاجة إلى كشف السرّ فيه .
شرح
الكفار والتغليظ عليهم والمبالغة في مقتهم مع الرضا بقضاء اللّه تعالى من حيث أنه قضاء اللّه عز وجل ) وبه يظهر معنى قوله تعالىأَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ[ الفتح : 29 ]أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ[ المائدة : 54 ] وقد أمر اللّه تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وسلم فقالجاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ[ التحريم : 9 ] وكذلك أمر المؤمنين في قوله تعالى :قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً[ التوبة : 123 ] ( وهذا كله يستمد من سر القدر الذي لا رخصة في إفشائه ) إلا لأهله ، ( وهو أن الشر والخير كلاهما داخلان في المشيئة والإرادة ، ولكن الشر مراد مكروه والخير مراد مرضى به ، فمن قال : ليس الشر من اللّه فهو جاهل ، وكذا من قال إنهما جميعا منه من غير افتراق في الرضا والكراهة فهو أيضا مقصر ، وكشف الغطاء عنه غير مأذون فيه ، فالأولى السكوت والتأدب بآداب الشرع ، فقد قال صلّى اللّه عليه وسلم « القدر سر اللّه فلا تفشوه » ) رواه أبو نعيم في الحلية من حديث ابن عمر نحوه ، ورواه الطبراني عن ابن عباس من قول عيسى عليه السلام بلفظ : فلا تحلوه وقد تقدم ، ( وذلك يتعلق بعلم المكاشفة . وغرضنا الآن بيان الإمكان فيما تعبد به الخلق من الجمع بين الرضا بقضاء اللّه ومقت المعاصي مع أنها من قضاء اللّه تعالى ، وقد ظهر الغرض من غير حاجة إلى كشف السر فيه ) .
وقال الكمال محمد بن إسحاق في مقاصد المنجيات : أفعال العباد على ثلاثة أقسام : طاعات ومباحات ومعاص ، فالطاعات يرضى بها مطلقا ، والمعاصي لا يرضى بها مطلقا ، والمباحات منها ما تعين على الطاعات وفراغ القلب للذكر فيلحق بالطاعات ، ومنها ما يشغل القلب عن ذكر اللّه ويحث على المخالفة فيلحق بالمعاصي في عدم الرضا ، والسر في ذلك أن اللّه أراد ما لا يرضى ولا يأمر إلا بما يرضى والعباد متعبدون بما يصدر من الأمر والنهي لا بما يصدر عن مشيئته وتدبيره ، فالرب تعالى لا يأمر العباد إلا بما فيه مصلحة عاجلة أو آجلة ، وقد تعبدنا ربنا بكراهة المعاصي لمصلحتين . إحداهما : مقصودة في نفسها ، والثانية : وسيلة لغيرها .