تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
فانته عنه ، وما قاله لك فقله ، فإنه ما زاد في هذه الحضرة على أن قال : « سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » فقال : إلهي ، إن لم يكن للسان جراءة على الثناء عليك فهل للقلب مطمع في معرفتك ؟ فنودي : إياك أن تتخطى رقاب الصديقين ، فارجع إلى الصديق الأكبر فاقتد به ؛ فإن أصحاب سيد الأنبياء كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ، أما سمعته يقول : العجز عن درك الإدراك إدراك ؛ فيكفيك نصيبا من حضرتنا أن تعرف انك محروم عن حضرتنا عاجز عن ملاحظة جمالنا وجلالنا ؛ فعند
شرح
عَنْهُ فَانْتَهُوا[ الحشر : 7 ] ( وما قاله فقله ) فما بلغ أحد مقاما ما بلغه هو وليس لغيره إلا اتباعه ، كما هو الخبر « لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي » ( فإنه ) لما لاحظ المعنى الجامع لصفات الألوهية كاد أن يحصل له الدهش والتحير ، فأدركته المنح حتى تحقق في تحيره ، ولذلك ( ما زاد في هذه الحضرة على أن قال : « سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » ) فهو المثني على نفسه وهو المثنى عليه أزلا وأبدا وجميع المحامد راجعة إليه ، ( فقال ) السالك ، ( إلهي إن لم تكن للسان جراءة في الثناء عليك فهل للقلب مطمع في معرفتك ) أي في منتهى درجتها ؟ ( فنودي : إياك أن تتخطى رقاب الصديقين فارجع إلى الصديق الأكبر ) رضي اللّه عنه ( فاقتد به ) واسلك سبيله ، ( فإن أصحاب سيد الأنبياء ) صلّى اللّه عليه وسلم ( كالنجوم ) المشرقة في السماء ( بأيهم ) أيها المسافرون في سلوك طريق الحق ( اقتديتم اهتديتم ) إلى من إليه السلوك . يشير إلى ما رواه عبد بن حميد من حديث ابن عمر « أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » ورواه غيره من حديث أبي هريرة وأسانيد ضعيفة . وقال أحمد : لا يصح ، وقال البزار : منكر . وقال البيهقي في كتاب الاعتقاد : رويناه في حديث موصول باسناد غير قوي في حديث آخر منقطع . قال : والحديث الصحيح يؤدي بعض معناه وهو حديث أبي موسى المرفوع « النجوم أمنة السماء فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يوعدون وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهبت أتى أمتي ما يوعدون » . ( أما سمعته يقول : العجز عن درك الإدراك إدراك ، فيكفيك نصيبا من حضرتنا أن تعرف أنك محروم عن حضرتنا عاجز عن ملاحظة جمالنا وجلالنا ) . قال المصنف في المقصد الأسنى ، فإن قلت : فما نهاية معرفة العارفين باللّه تعالى ؟ فأقول نهاية معرفة العارفين عجزهم عن المعرفة ومعرفتهم بالحقيقة هي أنهم لا يعرفونه ، وأنهم لا يمكنهم البتة معرفته ، وأنه يستحيل أن يعرف المعرفة الحقيقية المحيطة بكنه صفات الربوبية إلا اللّه تعالى ، فإذا انكشف لهم ذلك انكشافا برهانيا فقد عرفوه أي بلغوا المنتهى الذي يمكن في حق الخلق من معرفته ، وهو الذي أشار إليه الصديق الأكبر حيث قال : العجز عن درك الإدراك أدراك ، بل هو الذي عناه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حيث قال « لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » ولم يرد به أنه عرف منه ما لا يطاوعه لسانه في العبارة عنه ، بل معناه أني لا أحيط بمحامدك وصفات الهيتك ، وإنما أنت المحيط بها وحدك فإذا لا يحيط مخلوق من ملاحظة حقيقة ذاته إلا بالحيرة والدهشة ، وأما اتساع المعرفة فإنما يكون في معرفة أسمائه وصفاته .