محالة ، فسافر السالك إلى عالم القدرة ورأى فيه من العجائب ما استحقر عندها ما قبله وسألها عن تحريك اليمين فقالت : إنما أنا صفة فاسأل القادر ، إذ العمدة على الموصوفات لا على الصفات ، وعند هذا كاد أن يزيغ ويطلق بالجراءة لسان السؤال ، فثبت بالقول الثابت ونودي من وراء حجاب سرادقات الحضرة
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
[ الأنبياء : 23 ] فغشيته هيبة الحضرة ، فخر صعقا يضطرب في غشيته ، فلما أفاق قال :
سبحانك ما أعظم شأنك تبت إليك وتوكلت عليك وآمنت بأنك الملك الجبار الواحد القهار ، فلا أخاف غيرك ولا أرجو سواك ولا أعوذ إلا بعفوك من عقابك وبرضاك من سخطك ، وما لي إلا أن أسألك وأتضرع إليك وأبتهل بين يديك ، فأقول : اشرح لي صدري لأعرفك وأحلل عقدة من لساني لأثني عليك ، فنودي من وراء الحجاب : إياك أن تطمع في الثناء وتزيد على سيد الأنبياء ، بل ارجع إليه فما آتاك فخذه وما نهاك عنه
شرح
اليد لا حكم لها في نفسها وإنما محركها القدرة لا محالة ، فسافر ) السالك ( إلى عالم القدرة ورأى فيها من العجائب ما استحقر عندها ما ) رأى ( قبله ، وسألها عن تحريك اليمين فقالت : إنما أنا صفة فسل القادر إذ العهدة على الموصوفات لا على الصفات ) فإن الموصوفات هي التي قامت بها تلك الصفات ، ( وعند هذا كاد ) السالك ( أن يزيغ ) أي يميل ( ويطلق بالجرأة لسان السؤال ) ، فأدركته العناية الإلهية ( فثبت بالقول الثابت ) في قلبه ، ( ونودي من وراء حجاب سرادقات الحضرة ) الربانية : (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَفغشيته هيبة الحضرة ) فلم يستطع القيام معها ، ( فخرّ صعقا ) مندهشا ( يضطرب في غشيته تلك مدة ) كما جرى ذلك لموسى عليه السلام حين سأل الرؤية ، ( فلما أفاق ) من غشيته ( قال : سبحانك ما أعظم شأنك ) وأجل سلطانك ( تبت إليك ) أي رجعت عما كنت عازما عليه في السؤال عن مثل هذه الحقائق ( وتوكلت عليك ) ، فلا يتم مقام التوكل إلا بعد ملاحظة عظمة شأنه وألوهيته والانصراف إليه بكليته ، ( وآمنت بأنك الملك الجبار الواحد القهار ، فلا أخاف غيرك ولا أرجو سواك ولا أعوذ إلا بعفوك من عقابك وبرضاك من سخطك ) .
أشار بالأوّل إلى المقام الموسوي إذ قال عقب إفاقته : سبحانك تبت إليك ، وبالثاني إلى المقام المحمدي إذ قال : أعوذ بعفوك من عقابك وبرضاك من سخطك ، ( ومالي إلا أن أسألك وأتضرع إليك وأبتهل بين يديك . فأقول : ) رب ( اشرح لي صدري لأعرفك ) كما ينبغي أن تعرف ، فالنور إذا دخل الصدر انشرح له وانفتح فانكشفت له أسرار المعرفة ، ( وأحلل عقدة من لساني ) أي رقة تمنع عن كمال الافصاح والافهام ( لأثني عليك ) بما أنت أهله وهذا أيضا إشارة إلى المقام الموسوي ، ( فنودي من وراء الحجاب : إياك أن تطمع في الثناء ) أي في الوصول إلى غاياته ( وتزيد على سيد الأنبياء ) محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، ( بل ارجع إليه ) واقتد به ( فما آتاك فخذه وما نهاك ) عنه ( فانته عنه ) كما قال تعالى :وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ