تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
سهل رحمه اللّه تعالى به علة يعالج غيره منها ولا يعالج نفسه فقيل له في ذلك فقال : يا دوست ضرب الحبيب لا يوجع ! وأما الوجه الثاني : فهو أن يحس به ويدرك ألمه ولكن يكون راضيا به بل راغبا فيه مريدا له . أعني بعقله وإن كان كارها بطبعه كالذي يلتمس من الفصاد الفصد والحجامة فإنه يدرك ألم ذلك إلا أنه راض به وراغب فيه ومتقلد من الفصاد به ملة بفعله فهذا حال الراضي بما يجري عليه من الألم ، وكذلك كل من يسافر في طلب الربح يدرك مشقة السفر ولكن حبه لثمرة سفره طيب عنده مشقة السفر وجعله راضيا بها .
شرح
لا تحب مع اللّه غير اللّه ، فقلت لها : أي يا بنية ولا يحبون الأولاد ، فقالت : المحبة للخالق والرحمة للأولاد . قال : فلطم الفضيل على رأس نفسه وقال : يا رب هذه ابنتي هجتني في حبها وحب أخيها ، وعزتك لا أحببت معك أحد حتى ألقاك . ( وكان سهل ) التستري ( رحمه اللّه تعالى به علة يعالج غيره منها ولا يعالج نفسه ، فقيل له في ذلك ) وعوتب . ( فقال : يا دوست ) أي يا محب ( ضرب الحبيب لا يوجع ) نقله صاحب القوت . وكان الجنيد يقول من علامة المحب في المكاره والأسقام هيجان المحبة وذكرها عند نزول البلاء إذ هو لطف من مولاه ونيل القربة إلى محبوبه ، وقلة التأذي بكل بلاء يصيبه لغلبة الحب على قلبه ، وقد كان بعض المحبين يقول : اصفى ما أقول ذكرا إذا كنت محموما ، وهذا الذي ذكره سهل من أن ضرب الحبيب لا يوجع هو مقام الاستغراق ، وقد يتفق أن ضرب الحبيب يوجع ، كما حكي أن الحلاج حين صلب وأمر الناس برجمه فرجموه بالحجارة وهو ساكت لا يتأوه ، فجاءت أخته وكانت من العارفات فرجمته بحصاة صغير فقال : آه ! فقيل له في ذلك فقال : ضرب الحبيب يوجع ، وهذا له وجه حيث أنه صدر ذلك بعد معرفة العذر . ( وأما الوجه الثاني : فهو أن يحس به ويدرك ألمه ) ويكرهه بطبعه ( ولكن يكون راضيا به ) بل ( راغبا فيه مريدا له . أعني بعقله وإن كان كارها ) له ( بطبعه ) وهذا ( كالذي يلتمس من الفصاد الفصد و ) من الحجام ( الحجامة ، فإنه يدرك ألم ذلك إلا أنه راض به وراغب فيه ومتقلد من الفصاد ) والحجام ( به منة بفعله ) لما يجد فيه الشفاء والراحة ، ( فهذا حال الراضي بما يجري عليه من الألم ، وكذلك كل من يسافر في طلب الريح يدرك مشقة السفر ) لا محالة ، ( ولكن حبه لثمرة سفره ) التي هي الربح ( طيب عنده مشقة السفر ) وسهلها عليه ( وجعله راضيا بها ) . وهذه الدرجة واجبة وهي الإيمان للّه يجب كسبها بما ورد فيها من الفضائل وما قبلها موهبة من اللّه تعالى لا يوجد بالكسب ، لكن مقدماتها مكسوبة وهي التخلق بالأخلاق المحمودة ، فالتخلق من جانبك لا من جانب اللّه ، فمتى تخليت من المذمومات وتحليت بالمحمودات أفاض اللّه عليك من نوره ومعرفته ما لا يمكن وصفه ولا تمكن العبارة عنه ، وكلما