تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
عيشهم مع اللّه عز وجل ، وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه عز وجل بحكمه وجلاله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين ، وجعل الغم والحزن في الشك والسخط » . بيان حقيقة الرضا وتصوّره فيما يخالف الهوى : اعلم أن من قال : ليس فيما يخالف الهوى وأنواع البلاء إلا الصبر فأما الرضا فلا يتصور ، فإنما أتى من ناحية إنكار المحبة ، فأما إذا ثبت تصوّر الحب للّه تعالى واستغراق الهم به فلا يخفى أن الحب يورث الرضا بأفعال الحبيب ، ويكون ذلك من وجهين : أحدهما : أن يبطل الإحساس بالألم حتى يجري عليه المؤلم ولا يحس ، وتصيبه جراحة ولا يدرك ألمها . ومثال الرجل المحارب فإنه في حال غضبه أو في حال خوفه قد تصيبه جراحة وهو لا يحس بها حتى إذا رأى الدم استدل به على الجراحة ، بل الذي يغدو في شغل قريب قد تصيبه شوكة في قدمه ولا يحس بألم ذلك لشغل قلبه ، بل الذي يحجم أو يحلق رأسه بحديدة كآلة يتألم به فإن كان مشغول القلب بمهم من مهماته فرغ المزين
شرح
القوت ، ( وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه عز وجل بحكمه وجلاله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين وجعل الغم والحزن في الشك والسخط » ) قال صاحب القوت : رواه عطية عن أبي سعيد الخدري مرفوعا . وقال العراقي : رواه الطبراني من حديث ابن مسعود ، وقد تقدم .

بيان حقيقة الرضا وتصوّره فيما يخالف الهوى :

( اعلم ) بصرك اللّه تعالى ( أن من قال ) من البطالين ( ليس فيما يخالف الهوى وأنواع البلاء إلا الصبر ، فأما الرضا فلا يتصور فإنما أتى ) فيما توهمه ( من ناحية إنكار المحبة ) وقد تقدم بيان مذهبه والإحتجاج عليه ، ( فأما إذا ثبت ) مما ذكرناه ( تصور الحب للّه تعالى واستغراق الهم به ، فلا يخفى أن الحب يورث الرضا بأفعال الحبيب ) إذ هو غاية الحب ، ( ويكون ) تصوير ( ذلك من وجهين ) . ( أحدهما ) : أعلى من الثاني ، فالأعلى الذي لا يتصور وقوعه إلا بعد كمال المحبة ( أن يبطل الإحساس بالألم حتى يجري على المؤلم ولا يحس ، وتصيبه جراحة ولا يدرك ألمها ) وهذا غايته التي وصل إليها ، وهذا موجود في الأحوال المعتادة من الصفات البشرية لأن حكمة اللّه في الصفات البشرية أي قوة غلبته حكمته على سائر القوى . ( ومثاله : الرجل المحارب فإنه في حال غضبه ) وقد تقوى القوة الغضبية ( أو في حال خوفه ) وقد تقوت إماراته ( قد تصيبه جراحة وهو لا يحس بها ) ولا يدرك لها ألما ( حتى إذا رأى الدم ) بارزا من موضع الجراحة ( استدل بها على الجراحة ، بل الذي يغدو في شغل قريب قد تصيبه شوكة في قدمه ولا يحس بألم ذلك لشغل قلبه ) بما هو فيه ، ( بل الذي يحجم أو يحلق رأسه بحديدة كالّة ) أي باردة الحدّ ( يتألم