تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
عند اللّه فرحة برزق اللّه تعالى مستفيدة بالموت مزيد تنبيه واستكشاف ، فهذا أمر واضح من حيث النظر بعين الاعتبار ، ويشهد لذلك الوجود وحكايات أحوال المحبين وأقوالهم . فقد قال شقيق البلخي : من يرى ثواب الشدة لا يشتهي المخرج منها . وقال الجنيد : سألت سريا السقطي هل يجد المحب ألم البلاء ؟ قال : لا ، قلت : وإن ضرب بالسيف ؟ قال : نعم وإن ضرب بالسيف سبعين ضربة ضربة على ضربة . وقال بعضهم : أحببت كل شيء يحبه حتى لو أحب النار أحببت دخول النار . وقال بشر بن الحرث : مررت برجل وقد ضرب ألف سوط في شرقية بغداد ولم يتكلم ثم حمل إلى الحبس ، فتبعته فقلت له : لم ضربت ؟ فقال : لأني عاشق ، فقلت له : ولم سكت ؟ قال : لأن معشوقي كان بحذائي ينظر إليّ ، فقلت : فلو نظرت إلى المعشوق الأكبر ! قال : فزعق زعقة خرّ ميتا . وقال
شرح
بها الموت ) بخلاف العين فإنها أول ما تسيل على الخدين في القبر ، ( بل تبقى عند الموت حية عند اللّه فرحة برزق اللّه ) فإنها محل المعرفة والمحبة ، ( مستفيدة بالموت مزيد تنبه واستكشاف ؛ فهذا أمر واضح لا يتلبس من حيث النظر بعين الاعتبار ) إذا توصل فيه ، ( ويشهد لذلك الوجود حكايات أحوال المحبين وأقوالهم ) على اختلاف درجاتهم في الحب ، ( فقد قال شقيق البلخي ) رحمه اللّه تعالى : ( ومن يرى ثواب الشدة ) وما يترتب عليها من حسن الجزاء ( لا يشتهي المخرج منها . وقال الجنيد ) رحمه اللّه تعالى : ( سألت ) أستاذي ( سريا السقطي ) رحمه اللّه تعالى : ( هل يجد المحب ألم البلاء ؟ قال : لا . قلت : ولو ضرب بالسيف ؟ قال : نعم وإن ضرب بالسيف سبعين ضربة على ضربة ) ، وهذا مقام المستغرق بالحب فإن نفسه سكنت عن الاضطراب تحت مجاري الأقدار . ( وقال بعضهم : أحببت كل شيء يحبه حتى لو أحب النار أحببت دخول النار ) ، وهذا مقام الراضي المحب كما قال ابن خفيف : الرضا سكون القلب إلى أحكامه وموافقة القلب بما رضي واختار ، وأنشد صاحب مصارع العشاق لسمنون :ولو قيل طأ في النار أعلم أنه * رضا لك أو مدن لنا من وصالك لقد مت رجلي نحوها فوطئتها * سرورا لأني قد خطرت ببالك( وقال بشر بن الحرث ) الحافي رحمه اللّه تعالى : ( مررت برجل ) من العيارين ( وقد ضرب ألف سوط في شرقية بغداد ) في جناية جناها ( ولم يتكلم ) أي لم يتأوّه من الضرب ، ( ثم حمل إلى الحبس فتبعته فقلت له : لم ضربت ؟ فقال : لأني عاشق ، فقلت له : ولم سكت ؟ قال : لأن معشوقي كان بحذائي ينظر إليّ ) فلم أجد بسببه ألم الضرب ، ( فقلت ) له . هذا في المخلوق ( ولو نظرت إلى المعشوق الأكبر ) كيف كان حالك ؟ ( قال : فزعق زعقة خر ميتا ) نقل القشيري نحوه . وهذا كان محبا محجوبا ، فلما انكشف له الحجاب لم يتحمل فكان سبب زهاق روحه .